جلَّ ذكره إن شاء أن يحرق بالذي به بردوا، إن شاء أن يبرد بالذي به أحرق، وإن
شاء أسقم بالذي شاء أن يبرئ به، وإن شاء أن يبرئ بالذي شاء أن يسقم به، وإن
شاء أشبع بالذي شاء أن يجوع به، وإن شاء جوع بالذي شاء أن يشبع به، ليس
عندهم في الأشياء معانٍ تُفعل بذاتها، بل الفاعل الحق بها هو الله وحده لا
شريك له، فمن يسره الله للتوحيد الأعلى يسره للعمل بمقتضاه، فهو صديق من
حيث إنه كثر منه الصدق والتصديق في علمه وعمله وفي آيات الله جل ذكره في
الوجودين العالم والوحي من حيث إنه هو بمكان يشرف منه على معالم
النبوة فيصدق به ظهرًا وبطنًا.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا يزال العبد يصدق حتى يكتب عند اللَّه صديقًا".
والصدق شامل للقول والعمل، وهو إذا بلغ هذا ييسر له علم ما اختلفت
من أجله هذه المعاني (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ(4) . لا
مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد.
(فصل)
ليس في الوجود كله إلا الله وتحققه قوله الحق:(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ)إلى آخر المعنى.
وقوله: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(3) هُوَ الَّذِي
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي
الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) .
وقوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا
تَكْسِبُونَ (3) . فبهذا يتبين لك فهم ما نحن بسبيله، فلنسأل الله جلَّ ذكره أن
يجعل له هذا العلم حالاً ووصفًا وصفة، فقد يورثه ما لم يتحقق حاله في ذلك
(وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) .
(فصل)
قال الله عزَّ من قائل: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ