الشيء أبقيه"بمعنى: رَقَبْتَة وحَرَسْتَة، يقول: لحفظه خير لكم؛ لذلك قال:(إِنْ كُنْتُمْ"
مُؤْمِنِينَ) بقرب الله ومراقبته وحراسته وكلاءته وحفظه.
ثم قال: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) وقد يكون معنى قوله: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) جنة الله بما قد كتب لها من البقاء والدوام؛ لذلك قال وهو أعلم: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فما كان جواب قومه إلا أن (قَالُوا) ردًّا لنصحه: (يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا) كان (يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) .
كان - عليه السَّلام - على الحق العظيم الذي انتخبه الله - جلَّ جلالُه - عليه من العلم والرشد
والعقل والأمانة، فكان عندهم معروفًا بذلك، ولما جاءهم بنصيحة ربهم إياهم
وبلغهم رسالاته أخذوا يستهزءون به، ويسخرون لبعد البون من كونه على ما هو
به مما جهلوه من أمر ربه فيه مما كانوا يرجونه له من مراتبهم وسدانة أماكن
أباطيلهم، يقولون: هذا الحلم والرشاد اللذان كنا نعتقده فيك ونصفك به،
أصلاتك هي أمرتك بهذا؟!.
وكان - عليه السَّلام - فصيحًا معربًا عما يريده مؤيدًا بالحجة والبرهان، وقد قيل فيه:
إنه خطيب الأنبياء - عليهم السَّلام - أي: هو كان أفصحهم لسانًا وأعربهم بيانًا
عما يريده، وأقواهم على المحاجة - والله أعلم - فأجابهم بما يقابل ذلك منهم
في لين ورفق فعل النصيح الشفيق يقول: يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي
وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا) الأولى مقابلة لردهم عليه نصحه بالأمر لهم
بالإيمان ومجانبة الكفر، والثانية مقابلة منه في ردهم عليه الولاء له إلى ربهم
وسلوك سبيل طاعته وابتغاء مرضاته، وفيهما يتبين العلم والرشد، والرزق الحسن
هنا هو الوحي وعلم النبوة وما يتبع ذلك.
ثم جعل يذكرهم بما أصاب غيرهم السالكين سبيلهم المكذبين رسل ربهم
إليهم بقوله: (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) يقول: لا أيكسبنكم ا (شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ