قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر ، حكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل في"لما"، قال أبو علي: وأما من قرأ"لمَّا"بالتنوين وشد الميم فواضح الوجه كما بينا ، وأما من قرأ:"وإن كل لما"فهي المخففة من الثقيلة ، وحقها - في أكثر لسان العرب - أن يرتفع ما بعدها ، و"لما"هنا بمعنى إلا ، كما قرأ جمهور القراء: {إن كل نفس لما عليها حافظ} [الطارق: 4] . ومن قرأ"إلا"مصرحة فمعنى قراءته واضح ، وهذه الآية وعيد.
وقرأ الجمهور:"يعملون"بياء على ذكر الغائب ، وقرأ الأعرج"تعملون"بتاء على مخاطبة الحاضر.
{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا}
أمر النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستقامة وهو عليها إنما هو أمر بالدوام والثبوت ، وهذا كما تأمر إنساناً بالمشي والأكل ونحوه وهو ملتبس به. والخطاب بهذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين تابوا من الكفر ، ولسائر أمته بالمعنى ، وروي أن بعض العلماء رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له: يا رسول الله بلغنا عنك أنك قلت: شيبتني هود وأخواتها فما الذي شيبك من هود؟ قال له: قوله تعالى: {فاستقم كما أمرت} .
قال القاضي أبو محمد: والتأويل المشهور في قوله عليه السلام: شيبتني هود وأخواتها - أنها إشارة إلى ما فيها مما حل بالأمم السابقة ، فكان حذره على هذه الأمة مثل ذلك شيبه عليه السلام.
وقوله: {أمرت} مخاطبة تعظيم ، وقوله: {ومن} معطوف على الضمير في قوله: {فاستقم} ، وحسن ذلك دون أن يؤكد لطول الكلام بقوله: {كما أمرت} . و {لا تطغوا} معناه: ولا تتجاوزوا حدود الله تعالى ، و"الطغيان": تجاوز الحد ومنه قوله: {طغى الماء} [الحاقة: 11] وقوله في فرعون: {إنه طغى} [طه: 24 - 43 ، النازعات: 17] ، وقيل في هذه معناه: ولا تطغينكم النعم ، وهذا كالأول.