سادسها: أنَّ في المراتب المتقدّمة تحدي واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدى جميعهم، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة، كما قال تعالى: {وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ} وهاهنا آخر المراتب فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات أنَّ القرآن معجز.
{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54) }
{وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ} أي: حين عاينوه وأبصروه صاروا مبهوتين متحيرين فلم يطيقوا عنده بكاءً ولا صراخاً سوى إسرار الندم كالحال فيمن ذهب به ليصلب؛ فإنه يبقى مبهوتاً متحيراً لا ينطق بكلمة.
وقيل: إنهم أخلصوا لله في تلك الندامة، ومن أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم؛ لأنهم إنما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف.
وقيل: المراد بالإسرار الإظهار، وهو من الأضداد؛ لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة، وفي القيامة بطل هذا فوجب الإظهار وليس هناك تخلد.
«فَإِنْ قِيلَ» : أسرّوا جاء على لفظ الماضي والقيامة من الأمور المستقبلة؟
أجيب: بأنها لما كانت واجبة الوقوع جعل الله مستقبلها كالماضي.
{وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي: بين الخلائق {بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} .
«فَإِنْ قِيلَ» : هذه الآية مكرّرة؟
أجيب: بأنَّ الأولى في القضاء بين الأنبياء وتكذيبهم وهذه عامّة.
وقيل: بين المؤمنين والكفار.