سيذكر الآن نوعا من المتخلفين لم يكن تخلفهم عن نفاق وإنما هي المعصية مع الإيمان وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ أي وقوم آخرون سوى المذكورين من قبل لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا وقد ندموا خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً أي خلطوا خروجا إلى الجهاد وتخلفا عنه، أو خلطوا التوبة والإثم عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ اعترافهم بالذنب توبة وختم الآية بما ختمت به تطميع لهم بقبولها،
وبعد أن ذكر حالهم وطمعهم بقبول التوبة أمر رسوله صلى الله عليه وسلم خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تكون كفارة لذنوبهم، ويمكن أن يكون المراد بالصدقة هنا الزكاة تُطَهِّرُهُمْ أي الصدقة عن الذنوب وَتُزَكِّيهِمْ بِها التزكية المبالغة في التطهير والزيادة فيه، ويمكن أن يراد بالتزكية هنا الإنماء والبركة في المال، ويمكن أن يكون المعنى تطهرهم من الإثم وتزكيهم بتحقيقهم بمكارم الأخلاق، وقد دلت الآية على فضيلة الصدقة إذ بها تمحى الخطايا ولو كانت تخلفا عن النفير وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي وادع لهم وترحم، ومن ثم كانت السنة أن يدعو جابي الصدقة لصاحب الصدقة إذا أخذها إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ أي سكينة وطمأنينة لقلوبهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ لدعائك أو سميع لاعترافهم بذنوبهم ودعائهم عَلِيمٌ بما في
ضمائرهم من الندم والغم لما فرط منهم،
ثم هيجهم الله على التوبة والصدقة فقال:
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ إذا صحت وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ أي ويقبلها إذا صدرت عن خلوص نية أي فاصدقوا بالتوبة وأخلصوا بالصدقة، وتفيد الآية أن التوبة والصدقة ليست لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لغيره بل هي لله، فإن شاء قبل، وإن شاء رد، فاقصدوه فيهما ووجهوهما إليه وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ أي الكثير قبول التوبة الرَّحِيمُ بمن علم منه صدق الإنابة والإخلاص في العمل،