وبهذا التفسير فَسره كعب بن مالك في حديثه المروي في"الصحيح"فقال: وليس الذي ذكر الله مما خُلفنا عن الغزو وإنما تخليفُه إياناً وإرجاؤه أمرنا عَمَّن حَلَف له واعتذر إليه فقُبل منه.
اه.
يعني ليس المعنى أنهم خَلَّفوا أنفسهم عن الغزو وإنما المعنى خلَّفهم أحد ، أي جعلهم خَلْفاً وهو تخليف مجازي ، أي لم يُقض فيهم.
وفاعل التخليف يجوز أن يراد به النبي صلى الله عليه وسلم أو الله تعالى.
وبناء فعل {خلفوا} للنائب على ظاهره ، فليس المراد أنهم خلفوا أنفسهم.
وتعليق التخليف بضمير {الثلاثة} من باب تعليق الحكم باسم الذات.
والمراد: تعليقه بحالٍ من أحوالها يعلم من السياق ، مثلُ {حُرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] .
وهذا الذي فَسَّر كعب به هو المناسب للغاية بقوله: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحُبت} لأن تخيل ضيق الأرض عليهم وضيقِ أنفسهم هو غاية لإرجاء أمرهم انتهى عندها التخليف ، وليس غايةً لتخلفهم عن الغزو ، لأن تخلفهم لا انتهاء له.
وضيق الأرض: استعارة ، أي حتى كانت الأرض كالضَّيقة عليهم ، أي عندهم.
وذلك التشبيه كناية عن غمهم وتنكر المسلمين لهم.
فالمعنى أنهم تخيلوا الأرض في أعينهم كالضيقة كما قال الطرماح:
مَلأتُ عليه الأرض حتى كأنها...
من الضيق في عينيه كِفَّة حَابل
وقوله: {بما رحبت} حال من {الأرض} .
والباء للملابسة ، أي الأرض الملابسة لسعتها المعروفة.
و {ما} مصدرية.
{ورحُبت} اتسعت ، أي تخيلوا الأرض ضيقة وهي الأرض الموصوفة بسعتها المعروفة.
وضيق أنفسهم: استعارة للغم والحزن لأن الغم يكون في النفس بمنزلة الضيق.
ولذلك يقال للمحزون: ضاق صدره ، وللمسرور: شُرح صدره.
والظن مستعمل في اليقين والجَزممِ ، وهو من معانيه الحقيقية.