هذه الموعدة التي وعدها لأبيه، لأنه كان يرجو أن يتوب، وأن يغفر له اللَّه تعالى، فالاستغفار كان بطلب المغفرة التي تجيء التوبة لازمة لها، والتوبة محتملة، وممكنة؛ لأنه كان حيا، فلما تبين له استمراره على غيه، وعداوته لله بصناعة الأوثان التي تعبد من دون الله تبرأ منه. وجاء في سورة الممتحنة، فقد قال تعالى:
(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(4) .
وعد إبراهيم بالاستغفار لأبيه، ولما مات مشركا، وهو على غيه في صناعة الأصنام وعبادتها، تبرأ منه وصارت مثلا للمؤمن في تبرؤه من أبيه الذي كان إبراهيم له برا، ويراد له الهداية.
ثم بين الله تعالى الباعث النفسي الذي بعثه على الاستغفار لأبيه رجاء توبته، وبعدها المغفرة (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) الأواه كثير التأوه لرقة قلبه وشدة إحساسه، وفرط محبته لأولى قرباه، وحليم عاقل صبور مدرك لمن ينبغي أن يرحم، ومن يتبرأ منه، واللَّه غفور رحيم.
قال تعالى:
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(115)
(الواو) تدل على وصل هذه الآية بما قبلها، وما قبلها كان نهيا عن لاستغفار للمشركين، وجاءت قصة إبراهيم عليه السلام في استغفار إبراهيم لأبيه