أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - كَانَ يَخْطُبُ أَصْحَابَهُ كُلَّ عَشِيَّةِ خَمِيسٍ ثُمَّ يَقُولُ: فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَغْدُوَ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا فَلْيَفْعَلْ وَلَا يَغْدُو لِسِوَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْعَالِمَ وَالْمُتَعَلِّمَ شَرِيكَانِ فِي الْخَيْرِ . أَيُّهَا النَّاسُ: إِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُؤْخَذُوا بِمَا لَمْ يُبَيَّنْ لَكُمْ وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) فَقَدْ بَيَّنَ لَكُمْ مَا تَتَّقُونَ .
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا قَاعِدَةٌ هِيَ أَنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ الْعَامَّةَ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ وَيُكَلَّفُ الْعَمَلَ بِهَا كُلُّ مَنْ بَلَغَتْهُ إِنْ كَانَتْ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّخْصِيَّةِ الَّتِي خُوطِبَ بِهَا أَفْرَادُ الْأُمَّةِ كُلُّهُمْ ، وَيُنَفِّذُهَا أَئِمَّتُهَا وَأُمَرَاؤُهَا فِيهَا ، هِيَ مَا كَانَتْ قَطْعِيَّةَ الدَّلَالَةِ بِبَيَانٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ لَا حُجَّةَ مَعَهُ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهِ ، وَأَنَّ مَا عَدَاهَا مَنُوطٌ بِالِاجْتِهَادِ ، فَمَنْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ نَصٍّ ظَنِّيِّ الدَّلَالَةِ حُكْمٌ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ مُرَادُ اللهِ مِنَ الْآيَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ ، وَمَنْ لَا فَلَا ، كَمَا وَقَعَ عِنْدَ نُزُولِ آيَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إِذْ فَهِمَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) (2: 219) تَحْرِيمَهُمَا فَتَرَكَ ، وَبَقِيَ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ هَذَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حَتَّى بَيَّنَ اللهُ تَحْرِيمَهَا مَعَ الْمَيْسِرِ بَيَانًا قَطْعِيًّا