وهو يدل على أَن الملائكة نزلت على خيل بلق، وأَن المسلمين لم يروها مصداقا لقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} بل كان يراها الكافرون، ولذا رآها - شيبة راوى هذا الحديث - رآها قبل أَن يسلم فضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - على صدره ودعا له فاهتدى، وكان الغرض من إِنزالها إِلقاء الرعب في قلوب الكافرين، حين يرونهم في صفوف المؤمنين، قال سعيد بن السائب بن يسار عن أَبيه قال:"سمعت يزيد بن عامر السوائى وكان شهد حنينا مع المشركين يوم حنين، فكان يأْخذ الحصاة فيرمى بها في الطست فَيَطِنُّ، فيقول: كنا نجد في أَجوافنا مثل هذا"يقصد بذلك تصوير أَثر الرعب في قلوبهم.
{وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} :
المراد بتعذيبهم ما حدث لهم من القتل والجرح، والسبى وغنيمة الأَموال، والهزيمة بعد الانتصار، روى أَن عليًّا - رضي الله عنه - قتل بيده أَربعين رجلًا في هذه الغزوة وذلك غير ما فعله سواه من المقاتلين، وكان قتلاهم عددًا كبيرًا، وسبق أَصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَربعة آلاف نفس وغنموا اثنتى عشرة أَلف ناقة, سوى مالًا يحصى
من الغنائم كما روته السنن, وفي هذه الغزوة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"من قتل قتيلا له عليه بيِّنة فله سلَبهُ"وجرح خالد بن الوليد في هذه الغزوة جراحات بالغة، وأَسلم ناس كثيرون من مشركى مكة، لما رأَوه من عناية الله بالمسلمين.
والذي حدث في هذه الغزوة كان درسا استفاد منه المسلمون، فإِن الأَخلاط من حديثى العهد بالإِسلام والمشركين والأعراب، كانوا من أَسباب الهزيمة فيها أَول الأَمر، فلذا ينبغي أَن لا يكون في جيش المسلمين مَنْ لم يخالط الإِسلام دمه، ويثبت في أَعماق نفسه.
27 - {ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ } الآية.
أَي ثم يوفق الله من بعد تلك الغزوة من يشاءُ من هؤلاءِ ومن غيرهم، ليتوب من تركه ويؤمن بالله ورسوله.
{وَاللهُ غَفُورٌ} : يتجاوز عما سلف من الكفر والمعاصي بقبول توبتهم.
{رَحِيمٌ} : فيتفضل بقبول توبتهم.