(أَقُولُ) يَعْنِي بِالْمَعْرِفَةِ هُنَا الْمَعْرِفَةَ الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهَا عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ ، وَإِنَّمَا رَجَعَ عَنْهَا الْحَارِثُ لِاقْتِنَاعِهِ بِقَوْلِ الشَّابِّ وَتَذَكُّرِهِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً مَرَضِيَّةً لِلَّهِ تَعَالَى لَبَيَّنَهَا فِي كِتَابِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ (16: 89) وَيُرْوَى عَنْ ذِي النُّونِ الصُّوفِيِّ الشَّهِيرِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بِعَارِفٍ مَنْ وَصَفَ الْمَعْرِفَةَ عِنْدَ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ فَكَيْفَ عِنْدَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ؟ يَعْنِي أَنَّ وَصْفَهَا لَا يَجُوزُ إِلَّا لِأَهْلِهَا الْعَارِفِينَ ؛ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَاضَ مِنْ كَلَامِ صُوفِيَّةِ الْحَقَائِقِ غَيْرَ عَالِمٍ بِرُمُوزِهِمْ ضَلَّ وَرُبَّمَا كَفَرَ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ سُلُوكُ طَرِيقَتِهِمْ إِلَّا عَلَى يَدِ شَيْخٍ عَارِفٍ مِنَ الْوَاصِلِينَ ، وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ . وَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ أَبُو الْمَحَاسِنِ الْقَاوَقْجِيُّ مِنْ كِبَارِ الْعُبَّادِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ ، وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْهُ الْأَحَادِيثُ الْمُسَلْسَلَةُ وَغَيْرُهَا ، وَكَانَ مِنْ شُيُوخِ طَرِيقَةِ الشَّاذِلِيِّ ، فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: إِنَّنِي لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ