وقد ذكر الإمام البغوي في تفسيره أن المفسرين قالوا: إنه لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك أرجف المنافقون ، وأخذ المشركون ينقضون عهودهم ؛ فأنزل الله الآيات بالنسبة لهؤلاء ، مع إمهالهم أربعة أشهر إن كانت مدة عهدهم أقل ، أو قصرها على أربعة أشهر إن كانت أكثر.
وذكر الإمام الطبري - بعد استعراضه الأقوال في تفسير مطلع السورة -: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: لأجل الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين ، وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته. فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه ، فإن الله جل ثناؤه أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ، إن الله يحب المتقين} .
ومما رواه الطبري كذلك - بإسناده - عن مجاهد قوله: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} قال: أهل العهد: مدلج والعرب الذين عاهدهم ، ومن كان له عهد. قال: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تبوك حين فرغ منها ، وأراد الحج. ثم قال:"إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة ، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك"فأرسل أبا بكر وعلياً رحمة الله عليهما ، فطافا بالناس بذي المجاز ، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها ، وبالموسم كله ، وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر. فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر. ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا. فآمن الناس أجمعون حنيئذ ، ولم يَسح أحد"."