وأجيب عنه بأنه أشار بذلك إلى أنه استعمل لنفي الوجود مبالغة في نفي التبيين، وما ذكره أولا من قوله: إنكم لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين الخلص منكم وهو الذين جاهدوا في سبيل الله تعالى لوجهه جل شأنه حاصل المعنى، وذلك لأنه خطاب للمؤمنين إلهابا لهم وحثاً على ما حضهم عليه بقوله سبحانه: {قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله} [التوبة: 14] فإذا وبخوا على حسبان أن يتركوا ولم يوجد فيما بينهم مجاهد مخلص دل على أنهم إن لم يقاتلوا لم يكونوا مخلصين وأن الاخلاص إذا لم يظهر أثره بالجهاد في سبيل الله تعالى ومضادة الكفار كلا إخلاص، ولو فسر العلم بالتبين لم يفد هذه المبالغة فتدبر، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ} عطف على جاهدوا وداخل في حيز الصلة أو حال من فاعله، أي جاهدوا حال كونهم غير متخذين {مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً} أي بطانة وصاحب سر كما قال ابن عباس، وهي من الولوج وهو الدخول وكل شيء أدخلته في شيء وليس منه فهو وليجة، ويكون للمفرد وغيره بلفظ واحد وقد يجمع على ولائج، و {مِن دُونِ} متعلق بالاتخاذ إن أبقى على حاله أو مفعول ثان له إن جعل بمعنى التصيير {والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي بجميع أعمالكم فيجازيكم عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
وقرئ على الغيبة وفي هذا إزاحة لما يتوهم من ظاهر قوله سبحانه: {وَلَمَّا يَعْلَمِ} الخ من أنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها كما ذهب إليه هشام مستدلا بذلك.
ووجه الازاحة أن {تَعْمَلُونَ} مستقبل فيدل على خلاف ما ذكره. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 10 صـ}