عَلَى أَنَّ مَفْهُومَهُ عَدَمُ النَّهْيِ عَنْ إِكْرَاهِهِنَّ إِنْ لَمْ يُرِدْنَ التَّحَصُّنَ - وَهُوَ غَفْلَةٌ ظَاهِرَةٌ عَنْ كَوْنِ الْإِكْرَاهِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ ، وَلَا يُعْقَلُ عِنْدَ عَدَمِهَا وَهُوَ بَذْلُ الْعِرْضِ ، وَبَيْعُ الْبُضْعِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (4: 31) اسْتَشْكَلَ الْأَشَاعِرَةُ الْقَوْلَ بِمَفْهُومِهِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ ، وَمَا هُوَ بِمُشْكِلٍ إِلَّا مِنْ حَيْثُ يَكُونُ حُجَّةً لِخُصُومِهِمُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى عَدَمِ مَغْفِرَةِ الْكَبَائِرِ ، وَمَا زَالَ الْمُتَعَصِّبُونَ لِلْمَذَاهِبِ يَجْنُونَ عَلَى اللُّغَةِ وَعَلَى نُصُوصِ
التَّنْزِيلِ لِإِبْطَالِ حُجَجِ خُصُومِهِمْ ، عَلَى أَنَّ الْمُعَلِّقَ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ هُنَا أَخَصُّ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَهُوَ أَمْرَانِ: تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ ، وَالْمُدْخَلُ الْكَرِيمُ . وَأَيْنَ هَذَا وَذَاكَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ مِنِ اشْتِرَاطِ شُرُوطٍ لِلِانْتِقَالِ مَنْ أَمْرٍ إِلَى ضِدِّهِ الْمُسَاوِي لِنَقِيضِهِ ، أَيْ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ ؟ هَلْ يُعْقَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ يَحْصُلُ بِحُصُولِ شُرُوطِهِ ، وَإِقَامَةِ أَعْظَمِ أَرْكَانِهِ ، وَلَا يَنْتَفِي بِانْتِفَائِهَا ؟ أَلَا إِنَّهُ لَا يُعْقَلُ فِي حَالِ النَّظَرِ إِلَى الْحَقِيقَةِ نَفْسِهَا ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ لَا حِجَابَ عَلَيْهَا ، وَلَكِنَّهُ وَقَعَ بِالْفِعْلِ مِمَّنْ صَرَفَ بَصَرَهُ عَنْهَا وَأَرَادَ مَعْرِفَتَهَا بِالِاصْطِلَاحَاتِ الْجَدَلِيَّةِ ، وَالتَّعَصُّبِ لِلْمَذَاهِبِ الْكَلَامِيَّةِ أَوِ الْفِقْهِيَّةِ .