هَذَا بَيَانٌ مُسْتَأْنَفٌ لِمَنْ عَسَاهُ يَسْتَغْرِبُ غَلَبَةَ الْفِسْقِ وَالْخُرُوجِ مِنْ دَائِرَةِ الْفَضَائِلِ الْفِطْرِيَّةِ وَالتَّقْلِيدِيَّةِ عَلَى أَكْثَرِهِمْ حَتَّى مُرَاعَاةِ الْقَرَابَةِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ الْمَمْدُوحَيْنِ عِنْدَهُمْ ، وَيَسْأَلُ عَنْ سَبَبِهِ ، وَجَوَابُهُ: اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أَيْ: إِنَّهُمُ اسْتَبْدَلُوا بِآيَاتِ اللهِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ تَوْحِيدِهِ بِالْعِبَادَةِ ، وَعَلَى بَعْثِهِ لِلنَّاسِ ، وَجَزَائِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، وَعَلَى الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْهِدَايَةِ ، ثَمَنًا قَلِيلًا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا ، وَهُوَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعِيشَةِ ، وَكَثِيرُهُ عِنْدَ كُبَرَائِهِمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنْ أُمَمِ الْحَضَارَةِ ، وَمَا عِنْدَ أَغْنَى هَؤُلَاءِ قَلِيلٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا وَعَدَ اللهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا ، وَأَنَّ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ لَهُوَ خَيْرٌ وَأَبْقَى . وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِآيَاتِ اللهِ تَعَالَى الْعُهُودُ وَالْأَيْمَانُ أَوْ مَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهَا مِنْ كِتَابِهِ ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمَّا أَرَادَ حَمْلَ قُرَيْشٍ وَحُلَفَائِهَا عَلَى نَقْضِ عَهْدِ الْحُدَيْبِيَةِ صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا اسْتَمَالَهُمْ بِهِ فَأَجَابُوهُ إِلَيْهِ فَهُوَ الْمُرَادُ بِالثَّمَنِ الْقَلِيلِ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَهْلَ الطَّائِفِ أَمَدُّوهُمْ بِالْمَالِ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا بَعْدَهُ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ بِفَاءِ السَّبَبِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فَصَدُّوا