وَلَمَّا كَانَ لِلْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ كُلُّ هَذَا الشَّأْنِ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ نَبْذُ عُهُودِ الْمُشْرِكِينَ مِمَّا قَدْ يَظُنُّ بَادِيَ الرَّأْيِ أَنَّهُ مُخِلٌّ بِهِ ، أَوْ مِمَّا قَدْ يَظُنُّ قَلِيلُ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ نُصُوصِهِ بِالْفَهْمِ الصَّحِيحِ أَنَّ هَذَا النَّبْذَ نَاسِخٌ لِوُجُوبِهِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ لِلْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ ، وَتَأْكِيدِهِ كَانَ مُقَيَّدًا بِحَالِ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَ آخَرُونَ مِثْلَ هَذَا فِي آيَاتِ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ، بَلْ كَانَ هَذَا النَّبْذُ مِمَّا يَفْتَحُ بَابَ الدَّسِّ أَوِ الطَّعْنِ لِلْمُنَافِقِينَ وَالتَّأْوِيلِ لِلْمُرْجِفِينَ فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ ، وَقَدْ يَعْظُمُ عَلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَيَخْفَى عَلَيْهِمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تِلْكَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي هِيَ نُصُوصٌ فِي أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ مِنْ فَضَائِلِ الدِّينِ الْأَسَاسِيَّةِ - لَمَّا كَانَ كُلُّ مَا ذُكِرَ كَمَا ذَكَرَ - بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لَنَا فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَمَا بَعْدَهُمَا كَوْنَ هَذَا النَّبْذِ ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي وَلَا يُجَافِي شَيْئًا مِنْ تِلْكَ النُّصُوصِ الْمُحْكَمَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَامَلَةٌ لِلْأَعْدَاءِ بِمِثْلِ مَا عَامَلُوا بِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ بِدُونِهِ فَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ؟ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ الْمُشْرَبِ لِمَعْنَى التَّعَجُّبِ ، وَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رَسَخَ خُلُقُ الْوَفَاءِ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ عُرْضَةً لِقَبُولِ كَلَامِ الْمُنَافِقِينَ فِي إِنْكَارِ النَّبْذِ ،