يعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ يَكُونُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ أَوْ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ مِنْهُمْ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَهْدٌ وَذِمَّةٌ، وَهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَغْلِبُوكُمْ، لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً. وَاكْتَفَى بِـ كَيْفَ دَلِيلًا عَلَى مَعْنَى الْكَلَامِ، لِتَقَدُّمِ مَا يُرَادُ مِنَ الْمَعْنَى بِهَا قَبْلَهَا، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ إِذَا أَعَادَتِ الْحَرْفَ بَعْدَ مُضِيِّ مَعْنَاهُ اسْتَجَازُوا حَذْفَ الْفِعْلِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
وَخَبَّرْتُمَانِي أَنَّمَا الْمَوْتُ فِي الْقُرَى ... فَكَيْفَ وَهَذِي هَضْبَةٌ وَكثَيِبُ
فَحَذَفَ الْفِعْلَ بَعْدَ كَيْفَ لِتَقَدُّمِ مَا يُرَادُ بَعْدَهَا قَبْلَهَا.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَوْتُ فِي الْقُرَى وَهَذِي هَضْبَةٌ وَكَثِيبٌ لَا يَنْجُو فِيهِمَا مِنْهُ أَحَدٌ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَا يُرَاقِبُوا اللَّهَ فِيكُمْ وَلَا عَهْدًا.
عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، فِي قَوْلِهِ:" {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} قَالَ: مِثْلُ قَوْلِهِ جِبْرَائِيلَ مِيكَائِيلَ إِسْرَافِيلَ، كَأَنَّهُ يُقَالُ: يُضَافُ «جِبْرَ» وَ «مِيكَا» وَ «إِسْرَافِ» إِلَى «إِيلَ» ، يَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا} كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَرْقُبُونَ اللَّهَ"
وَقَالَ آخَرُونَ: الْإِلُّ: الْقَرَابَةُ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: الْحِلْفُ
وَقَالَ آخَرُونَ: الْإِلُّ: هُوَ الْعَهْدُ، وَلَكِنَّهُ كُرِّرَ لَمَّا اخْتَلَفَ اللَّفْظَانِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ:" {لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} قَالَ: لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ عَهْدًا وَلَا ذِمَّةً. قَالَ: إِحْدَاهُمَا مِنْ صَاحِبَتِهَا كَهَيْئَةِ {غَفُورٌ رَحِيمٌ} قَالَ: فَالْكَلِمَةُ وَاحِدَةٌ وَهِيَ تَفْتَرِقُ، قَالَ: وَالْعَهْدُ هُوَ الذِّمَّةُ"