وسيأتي في آخر البحث من الرواية ما يتضح به معنى الآية: {واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله} أي: اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ، ولكن لمصلحة ليتوب من تاب ، وفي ذلك ضرب من التهديد ، كأنه قيل: افعلوا في هذه المدّة كل ما أمكنكم من إعداد الآلات والأدوات ، فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم: أي مذلكم ومهينكم في الدنيا بالقتل والأسر ، وفي الآخرة بالعذاب ، وفي وضع الظاهر موضع المضمر ، إشارة إلى أن سبب هذا الإخزاء هو: الكفر ، ويجوز أن يكون المراد: جنس الكافرين ، فيدخل فيه المخاطبون دخولاً أوّلياً.
قوله: {وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الأكبر} ارتفاع أذان على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أو على أنه مبتدأ وخبره ما بعده على ما تقدّم في ارتفاع براءة ، والجملة هذه معطوفة على جملة {بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ} وقال الزجاج: إن قوله {وأذان} معطوف على قوله {براءة} .
واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لكن {أذان} مخبر عنه بالخبر الأوّل ، وهو {إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين} وليس ذلك بصحيح.
بل الخبر عنه هو {إِلَى الناس} والأذان بمعنى: الإيذان ، وهو الإعلام ، كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء.
ومعنى قوله: {إِلَى الناس} التعميم في هذا: أي أنه إيذان من الله إلى كافة الناس غير مختص بقوم دون قوم ، فهذه الجملة متضمنة للإخبار بوجوب الإعلام لجميع الناس ، والجملة الأولى متضمنة للإخبار بالبراءة إلى المعاهدين خاصة ، و {يَوْمَ الحج} ظرف لقوله: {وأذان} ، ووصفه بالأكبر لأنه يجتمع فيه الناس ، أو لكون معظم أفعال الحج فيه.
وقد اختلف العلماء في تعيين هذا اليوم المذكور في الآية ، فذهب جمع ، منهم: عليّ بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وابن أبي أوفى ، والمغيرة بن شعبة ، ومجاهد ، أنه: يوم النحر.
ورجحه ابن جرير.