ويقال: فلان لا في العير ولا في النفير، قيل هذا المثل لقريش من بين العرب، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا هاجر إلى المدينة ونهض منها لتلقّي عير قريش، سمع مشركو قريش بذلك، فنهضوا ولقوه ببدر، ليأمن عيرهم المقبل من الشام مع أبي سفيان، فكان من أمرهم ما كان، ولم يكن تخلّف عن العير والقتال إلا زمن أو من لا خير فيه، فكانوا يقولون لمن لا يستصلحونه لمهمّ: فلان لا في العير ولا في النفير، فالعير ما كان منهم مع أبي سفيان، والنفير ما كان منهم مع عتبة بن ربيعة قائدهم يوم بدر.
وغَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ، هي العير لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا و «الشوكة» كانت في النفير لعددهم وعدّتهم.
والشّوكة: الحدّة مستعارة من واحدة الشوك، ويقال: شوك القنا لشباها.
ومنها قولهم: شائك السلاح أي:
تتمنّون أن تكون لكم العير.
أقول: وأصل الشوكة كما قلنا واحدة الشوك، ولحدّتها وما تؤدّي من الأذى، أطلقت على القوة والسلاح، وهكذا كانت مواد العربية البدوية مصدرا، أمدّ العربية بموادّ كثيرة من اللغة العالية، ومنها مواد الحضارة.
3 -وقال تعالى: (مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
والمشاقّة والشّقاق، غلبة العداوة
والخلاف، وشاقّه يشاقّه مشاقّة وشقاقا:
خالفه.
وقال الزجاج في قوله تعالى: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ(53) [الحج] .
الشّقاق: العداوة بين فريقين، والخلاف بين اثنين سمّي ذلك شقاقا، لأنّ كلّ فريق من فريقي العداوة قصد شقّا، أي ناحية غير شقّ صاحبه.
أقول: والكثير ممّا جاء على «فاعل» من المضاعف أن يدغم في الماضي والمضارع، غير أن الفعل في الآية قد قرئ بفكّ الإدغام، وحرّك بالكسر لسكون اللام بعده، وذلك خير من إبقاء الإدغام، وتحريكه بكسر أو فتح لوقوع الساكن بعده، ولولا هذا لكان الإدغام واجبا، وهذا شيء من لطائف هذه اللغة الشريفة، على أن العربية تجيز إبقاء الإدغام في مثل هذه الحال، وسيأتي شيء من هذا.
4 -وقال تعالى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [الآية 16] .
المراد بقوله تعالى: (مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ هو الكرّ بعد الفرّ، يخيّل إلى عدوّه أنه منهزم، ثم يعطف عليه. وهو باب من خدع الحرب ومكايدها.