للإمام، وهو قولُ ابنِ المُسَيِّب، وروايةٌ عن مالِكٍ أيضاً؛ لما روى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جَدِّهِ: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُنَفِّلُ قبلَ أَنْ تنزلَ فريضةُ الخُمُسِ من المَغْنَم، فلما نزلتِ الآية: {أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال:41] ، تركَ النَّفَلَ الذي كان يُنَفِّلُ، وصارَ ذلك إلى خُمُسِ الخُمُسِ من سَهْمِ الله عَزَّ وجَلَّ، وسهمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - .
والصحيحُ عندي أن محلَّه الخُمُسُ؛ لما خَرَّجَهُ مسلمٌ عنِ ابنِ عُمَر - رضيَ الله تعالى عنهما - قال: نَفَّلَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سِوى نصيبِنا منَ الخُمُسِ، فأصابني شارِفٌ.
ولِما روي عن مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحَدثانِ: أنه قال: ما أدركتُ الناسَ يُنَفِّلَونَ إِلَّا منَ الخُمُسِ.
قال الشافعيُّ: وأخبرنا مالكٌ عن أبي الزِّنادِ: أنه سمعَ سعيدَ بنَ
المُسَيِّبِ يقول: كانَ الناسُ يُعْطَوْنَ النَّفَلَ منَ الخُمُسِ، قال الشافعيُّ: وقولُ سعيدٍ كما قالَ - إن شاءَ الله تعالى - .
141 - (2) قوله تَبارَكَ وتَعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال: 15] .
* أمرَنا اللهُ سبحانه وتعالى أن نَثْبُتَ في قِتال الكفارِ، ولا نُوَلِّيَهُم الأدبارَ، وتواعَدَ على ذلك بالغَضَبِ والنار، نعوذُ باللهِ الكريم منهما، وأباحَ لنا ذلك في حالتينِ:
إحداهما: أن نتحرَّف القتال من مَضيقٍ لِمُتَّسَعٍ، ومنْ وَعْرٍ إلى سَهْلٍ، ومن استقبالِ الشَّمْسِ والريحِ إلى استِدْبارهما، وغيرِ ذلكَ من مكائدِ الحرب.
وثانيهما: أن نَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ، سواءٌ كانت قريبةً، أو بعيدة.
واشترطَ بعضُ الشافعية قربَ الفئة، وهو غلطٌ؛ لظاهرِ الإطلاقِ في الآية.
وهل يُشْتَرَطُ عَوْدُ المُوَلِّي مع الفئة المتحيِّزِ إليها؟
وجهانِ للشافعية.
أصحُّهُما: لا يُشْتَرَطُ العَوْدُ في الانتهاءِ، وإنما يشترطُ العودُ في الابتداء.
وذهب جماعةٌ من السلفِ إلى أن الآية مختصَّةٌ بأصحابِ بَدْرٍ، وأن الفرارَ من الزَّحْفِ ليسَ بكبيرةٍ في حَقِّ غيرِهم.