وأما الجوابُ عَمَّا احتجَّ بهِ الأولون، فإن مكَّةَ فُتِحَتْ صُلْحًا، وإن غنائِمَ حُنينٍ كثيرةٌ، ولعل ذلكَ من سهمهِ - صلى الله عليه وسلم - ؛ بدليلِ ما قَدَّمْتُه، وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"للهِ خُمُسُها، وأربعةُ أَخْماسِها للجيش"قال: قلت: فما أَحَدٌ أَوْلى
بهِ مِنْ أحدٍ؟ قال:"لا، ولا السَّهْمُ تستخرجُه من جَنْبِكَ، لست أنتَ أَحَقُّ بهِ منْ أخيكَ المسلم".
فإن قيل: لو كان من سهمِه، لما عَتَبَ الأنصارُ، ولما قالوا: أتعطي الغنائِمَ قريشاً وتتركُنا، وسيوفُنا تقطُرُ من دمائهم؟ ولما احتاجَ إلى استطابَةِ قُلوبهم بقوله:"أما تَرْضَوْنَ أنْ يذهبَ الناسُ بالشاءِ والبَعير، وتذهبونَ برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى مَنازِلكم؟".
قلنا: أجابَ أبو عبدِ الله الشافعيُّ فقال: يجوزُ أن يقولوا: كيفَ تعطيهم خُمُسَ غنائِمِنا، وفينا من يَسْتَحِقُّها؟.
قال: وقد يقولُ القائلُ في خمسِ الغنيمةِ إذا خُصَّ منها: ونحن غنمنا هذا، ويريدون أن سببَ ما ملك ذلك بهم.
وقد أخبرنا بعضُ أصحابِنا عن محمدِ بنِ إسْحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعطى الأقرعَ بنَ حابِسٍ وأصحابَهُ من خُمُسِ الخُمُسِ.
* فإن قلتَ: فأين مَحَلُّ النَّفَلِ، وكم قَدْرُه؟
قلنا:
أما قدرُه؛ فقد قال قومٌ: لا يزيدُ على الرُّبُعِ والثُّلُثِ؛ لما روى حبيبُ بنُ مسلمةَ: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُنَفِّلُ الرُّبُعَ للسرايا بعدَ الخُمُسِ في البَدْأَةِ، وينفِّلُهم الثلثَ بعدَ الخُمُسِ في الرِّجْعَةِ، وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: ليسَ في النفلِ حَدٌّ، بل هو إلى رأيِ الإمام.
وأما مَحَلُّه:
فمن عملَ بآية الأنفال، فمحلُّه جميعُ الغنيمةِ، ورويَ عن الحسنِ، والأوزاعيِّ، وأحمدَ.
ومن قالَ بنسخِها، فمحلُّه بعضُ الغنيمة.
ثم اختلفوا في ذلكَ البَعْضَ:
فقالَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة في أحد قوليه: محلُّه الخمسُ.
والصحيحُ من قوليهِ عندَ أصحابهِ أنَّ مَحلَّه خُمُسُ الخُمُس الواجبُ