{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) }
إن قلت: كيف قال: والله خير الماكرين؟ ولا خير في مكرهم؟
قلت: يحتمل أن يكون المراد: والله أقوى الماكرين، فوضع خير موضع أقوى، وفيه التنبيه على أن كل مكر يبطل بفعل الله. وقيل: يحتمل أن يكون المراد أن مكرهم فيه خير بزعمهم، فقال تعالى: في مقابلته؛ {وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ}
وقيل: ليس المراد التفضيل بل إن فعل الله خير مطلقا اهـ. «خازن» .
{إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ... (42) }
فائدة لطيفة:
قال الزمخشري:
فإن قلتَ: ما فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم؟
قلتُ: الفائدة فيه: الإخبار عن الحالة الدالة على قوة شأن العدو وشوكته، وتكامل عدته، وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين وشتات أمرهم، وأن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعًا من الله تعالى، ودليلٌ على أنَّ ذلك أمر لم يتيسَّر إلا بحوله سبحانه وتعالى وقُوَّته، وباهر قدرته، وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضًا لا بأس بها, ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي غبار تسوخ فيها الأرجل، ولا يمشي فيها إلا بتعب ومشقة، وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم، وكانت الحماة دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم؛ ليبعثهم الذب عن الحرم والغيرة على الحرم على بذل تجهيداتهم في القتال، وأن لا يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالإنحياز إليه، فيجمع ذلك قلوبهم، ويضبط هممهم، ويوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم، ولا يخلوا مراكزهم، ويبذلوا منتهى نجدتهم، وقصارى شدتهم، وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر وقعة بدر. انتهى، وهو كلام حسن.
{وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44) }
فإن قيل: ما فائدة تكرار الرؤية هاهنا، وقد ذكرت في قوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ} ؟
قلتُ: يجاب عنه بجوابين:
أحدهما: أنَّ الأولى كانت في المنام، والثانية في اليقظة، فلا تكرار.