وإنما فعل ذلك في الجهتين (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا) أي: ليظهر الله أمراً كان سبق به القضاء والقدر، فكان مفعولاً في سابق العلم، لا محيد عنه، ومن شأن الحكمة إظهار الأسباب والعلل، كما أن من شأن القدرة إبراز ما سبق في الأزل، وإنما كرره لاختلاف الفعل المعلل به لأن الأول علة لالتقائهم من غير ميعاد، وهنا لتقليلهم في أعين الكفرة، أو للتنبيه على أن المطلوب من العبد هو النظر إلى سابق القدر، ليخف عليه ما يبرز منه من الشدائد والأهوال، ولذلك قال إثره: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ، وإذا كانت الأمور كلها راجعة إلى الله تعالى فلا يسع العبد إلا الرضا والتسليم لكل ما يبرز منها، فكل ما يبرز من عند الحبيب حبيب. والله تعالى أعلم.
(ياأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(64)
أي: لَمّا مَنَنْتُ عليك بائتلاف قلوب المؤمنين في نصرتك، فلا تلتفت إليهم في محل التوحيد، فإني حسبك وحدي بغير معاونة الخلق، فينبغي أن تفرد القدم عن الحدوث في سيرك مني إليَّ، وأنا حسب المؤمنين عن كل ما دوني، وإن كان مَلَكاً مُقّرَّباً أو نبياً مرسلاً، ولا ينبغي في حقيقة التوحيد النظر إلى غيري، وإنما أيدتك بواسطة المؤمنين، وذَكَرتُهم معي تشريفاً لأمتك، وستراً لقدرتي، وإظهارا لكمال حكمتي، وإلا فقدرتي لا يفوتها شيء ، ولا تتوقف على شيء «جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل» .
قال البيضاوي: نزلت الآية تأييداً في غزوة بدر، وقيل: أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلّم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة، ثم أسلم عمر رضي الله عنه، فنزلت. ولذلك قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: نزلت في إسلامه.