فقد كسّر إبراهيم عليه السّلام الأصنام وأهانها غاية الإهانة فما دفعت عن نفسها الأذى ولا انتقمت منه، كما أخبر تعالى عنه في قوله: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [الصافات 37/ 93] وقال تعالى: فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ، لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [الأنبياء 21/ 58] .
وروي عن معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو بن الجموح رضي الله عنهما- وكانا شابين من الأنصار قد أسلما، لمّا قدم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم المدينة- أنهما كانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك، ويرتئوا لأنفسهم رأيا آخر.
وكان لعمرو بن الجموح- وكان سيد قومه- صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل، فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح، فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه، ويضع عنده سيفا، ويقول له:
انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضا، حتى أخذاه مرة، فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو، ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدّين باطل، وقال:
تالله لو كنت إلها مستدن ... لم تك والكلب جميعا في قرن
ثم أسلم وحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدا رضي الله عنه.
وكما هم عاجزون عن النصرة عاجزون عن الإرشاد والهداية، فقال تعالى:
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا أي وإن تدعوا هذه الأصنام إلى أن يهدوكم إلى سواء السبيل وتحقيق النصر، لا يسمعوا دعاءكم، فضلا عن المساعدة والمعونة والإمداد، وتراهم أيها المخاطب المتأمل يقابلونك بعيون مصوّرة صناعية، وهي جماد لا تبصر شيئا، ولا تدرك المرئي لأن لهم صورة الأعين، وهم لا يرون بها شيئا، فهم فاقدو السمع والبصر، كما قال تعالى في آية أخرى: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ، وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [فاطر 35/ 14] .
وإذ فقدوا السّمع والبصر، فكيف يرجى منهم نصر أو عون، وكيف يخاف منهم إحداث ضرر أو أذى لمن يحتقرهم، وكيف يليق بكم أن تتخذوهم آلهة؟!
فقه الحياة أو الأحكام: