والرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو من هو ؛ وقربه من ربه هو قربه ، مأمور أن يعلن للناس أنه أمام غيب الله بشر من البشر ، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، لأنه لا يطلع على الغيب ، ولا يعرف الغايات قبل المذاهب ، ولا يرى مآل أفعاله ؛ ومن ثم لا يملك أن يختار عاقبة فعله بحيث إن رأى العاقبة المغيبة خيراً أقدم ، وإن رآها سوءاً أحجم. إنما هو يعمل ، والعاقبة تجيء كما قدر الله في غيبه المكنون:
{قل: لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً - إلا ما شاء الله - ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} ..
وبهذا الإعلان تتم لعقيدة التوحيد الإسلامي كل خصائص التجريد المطلق ، من الشرك في أية صورة من صوره. وتتفرد الذات الإلهية بخصائص لا يشاركها البشر في شيء منها. ولو كان هذا البشر محمداً رسول الله وحبيبه ومصطفاه - عليه صلوات الله وسلامه - فعند عتبة الغيب تقف الطاقة البشرية ، ويقف العلم البشري. وعند حدود البشرية يقف شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتتحدد وظيفته:
{إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} ..
والرسول - صلى الله عليه وسلم - نذير وبشير للناس أجمعين. ولكن الذين {يؤمنون} هم الذين ينتفعون بما معه من النذارة والبشارة ؛ فهم الذين يفقهون حقيقة ما معه ؛ وهم الذين يدركون ما وراء هذا الذي جاء به. ثم هم بعد ذلك خلاصة البشرية كلها ، كما أنهم هم الذين يخلص بهم الرسول من الناس أجمعين..