هذا الناموس الذي يصرف الكون كله - بقدر الله المطرد المتجدد وفق مشيئة الله الطليقة - سارٍ كذلك في كيان الإنسان - بوصفه من كائنات هذا الكون - مستقر في فطرته ، لا يحتاج إلى وعي عقلي للإحساس به ؛ فهو مدرك بالفطرة ، مستقر في صميمها ، تستشعره بذاتها ، وتتصرف وفقه ، ما لم يطرأ عليها الخلل والفساد ، فتنحرف عن إدراكها الذاتي له ، وتدع للأهواء العارضة أن تسيرها ، بدلاً من أن تسير وفق قانونها الداخلي القويم.
هذا الناموس - بذاته - هو ميثاق معقود بين الفطرة وخالقها. ميثاق مودع في كيانها ، مودع في كل خلية حية منذ نشأتها. وهو ميثاق أقدم من الرسل والرسالات. وفيه تشهد كل خلية بربوبية الله الواحد ، ذي المشيئة الواحدة ، المنشئة للناموس الواحد الذي يحكمها ويصرفها. فلا سبيل إلى الاحتجاج بعد ميثاق الفطرة وشهادتها - سواء أكان بلسان الحال هذا أم بلسان المقال كما في بعض الآثار - لا سبيل إلى أن يقول أحد: إنه غفل عن كتاب الله الهادي إلى التوحيد. وعن رسالات الله التي دعت إلى هذا التوحيد. أو يقول: إنني خرجت إلى هذا الوجود ، فوجدت آبائي قد أشركوا فلم يكن أمامي سبيل لمعرفة التوحيد. إنما ضل آبائي فضللت فهم المسؤولون وحدهم ولست بالمسؤول! ومن ثم جاء هذا التعقيب على تلك الشهادة:
{أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل ، وكنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟} .
ولكن الله - سبحانه - رحمة منه بعباده ، - لما يعلمه من أن في استعدادهم أن يضلوا إذا أُضلوا ، وأن فطرتهم هذه تتعرض لعوامل الانحراف - كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفعل شياطين الجن والإنس ؛ الذين يعتمدون على ما في التكوين البشري من نقط الضعف!..