فَمِثَالُ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ فِي إِنْعَامِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِالنَّسْلِ ، مَا يُسْنِدُونَهُ إِلَى الْأَسْبَابِ فِي سَلَامَةِ الْحَامِلِ مِنَ الْأَمْرَاضِ فِي أَثْنَاءِ الْحَمْلِ أَوْ فِي حَالَةِ الْوَضْعِ ، وَفِي سَلَامَةِ الطِّفْلِ عِنْدَ الْوَضْعِ وَعَقِبِهِ ، وَفِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ التَّشْوِيهِ أَوِ الْأَمْرَاضِ ، كَقَوْلِهِمْ: لَوْلَا أَنْ فَعَلْنَا كَذَا لَكَانَ كَذَا ، وَلَوْلَا فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةٌ مِنْ طَبِيبٍ أَوْ مُرْشِدٍ أَوْ قَابِلَةٍ لَهَلَكَ الْوَلَدُ أَوْ لَأُجْهِضَتْ أُمُّهُ إِجْهَاضًا أَوْ جَاءَتْ بِسَقْطٍ لَمْ يَسْتَهِلَّ ، أَوْ لَمَاتَ عَقِبَ إِسْقَاطِهِ لِعَدَمِ اسْتِعْدَادِهِ لِلْحَيَاةِ ، وَيَنْسَوْنَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَضْلَ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِمَا مَنَّ بِهِ مِنَ الْعَافِيَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَتَسْخِيرِ الْأَسْبَابِ مِنَ الْبَشَرِ وَغَيْرِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَذْكُرُونَهَا وَلَا يُنْكِرُونَهَا إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا - ذَلِكَ شَأْنُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ تَمَسُّهُمْ ، أَوْ نِقْمَةٍ يَدْفَعُهَا اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ ، وَهَذَا الشِّرْكُ لَيْسَ خُرُوجًا مِنَ الْمِلَّةِ ، وَلَكِنَّهُ نَقْصٌ فِي شُكْرِ الْمُنْعِمِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشِّرْكِ هُنَا تَرْجِيحَ حُبِّ الْأَوْلَادِ عَلَى حُبِّ اللهِ تَعَالَى ، وَشُغْلِهِمْ لِلْوَالِدَيْنِ عَنْ ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ ، وَإِيثَارِهِمْ لَهُمْ عَلَى
طَاعَتِهِ وَالْتِزَامِ مَا شَرَعَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَهُوَ كَسَابِقِهِ نَقْصٌ فِي التَّوْحِيدِ لَا نَقْضٌ لَهُ ، وَغَفْلَةٌ عَنْهُ لَا جَحْدٌ بِهِ .