فإنه لما ابتدأ الكلام بقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} ثم اعترض ذكر الجواب المضمن في قوله: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} إلى قوله: {بَغْتَةً} أريد تتميم سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم ، وهو المضمن في قوله: {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} وهو شديد التعلق بالسؤال ، وقد بعد عهده ، فَطُرِّيَ ذكره تطرية عامة ، ولا نراه أبداً يطرى إلا بنوع من الإجمال ، كالتذكرة للأول ، مستغنى عن تفصيله بما تقدم .
فمن ثم قيل: {يَسْأَلُونَكَ}
ولم يذكر المسؤول عنه ، وهوالساعة اكتفاء بما تقدم فلما كرر السؤال لهذا الفائدة كرر الجواب أيضاً مجملاً ، فقال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ} .
ويلاحظ هذه في تلخيص الكلام بعد بسطه . ومن أدق ما وقفت عليه العرب في هذا النمط من التكرير لأجل بعد العهد ، تطرية للذكر ، قوله:
عجِّلْ لنا هذا وألحقنا بذا ال شحم إن قد مللنا بَجلْ
أي: فقط ، فذكر الألف واللام ، خاتمة للأول من الرجزين ، ثم لما استفتح الرجز الثاني ، استبعد العهد بالأولى ، فطري ذكرها ، وأبقى الأول في مكانها .
ومن ثم استدل ابن جني على أن ما كان من الرجز على ثلاثة أجزاء ، فهو بيت كامل ، وليس بنصف ، كما ذهب إليه أبو الحسن .
قال: ولو كان بيتاً واحداً ، لم يكن عهد الأولى متباعداً ، فلم يكن محتاجاً إلى تكريرها ، ألا ترى أن عبيداً لما جاء بقصيدة طويلة الأبيات ، وجعل آخر المصراع الأول أل ، لم يعدها أول المصراع الثاني ، لأنها بيت واحد ، فلم يرعهدها بعيداً ، وذلك قول عبيد بن الأبرص الأسدي:
يا خليليّ ارْبَعا واستخبرا ال منزل الدَّارس عن أهل الحلالِ
مثل سحق البُردِ عفّى بَعْدَكَ ال قَطْرُ مَغْنَاهُ وتَأْوِيبُ الشمالِ