قال إسحاق: وأخبرنا أبو عامر العقدي وأبو نعيم الملائي قال: حدثنا هشام ابن سعد عن يحيى وليس بابن سعيد قال: قلت لابن المسيب: ما تقول في العزل؟ قال: إن شئت حدثتك حديثا هو حق، إن اللّه سبحانه لما خلق آدم أراه كرامة لم يرها أحد من خلق اللّه، أراه كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم
القيامة، فمن حدثك أن يزيد فيهم شيئا أو ينقص منهم فقد كذب ولو كان لي سبعون ما باليت.
وفي تفسير ابن عيينة عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: ولَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً قال: يوم أخذه الميثاق.
قال إسحاق: فقد كانوا في ذلك الوقت مقرين وذلك أن اللّه عز وجل أخبر أنه قال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى واللّه تعالى لا يخاطب إلا من يفهم عنه المخاطبة ولا يجيب إلا من فهم السؤال، فإجابتهم إياه بقولهم دليل على أنهم قد فهموا عن اللّه وعقلوا عنه استشهاده إياهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ فأجابوه من بعد عقل منهم للمخاطبة وفهم لها بأن {قالُوا بَلى} فأقروا له بالربوبية.
[فصل: الدليل على أن الأرواح خلقت بعد الأبدان]
واحتجوا أيضا بما رواه أبو عبد اللّه بن منده أخبرنا محمد بن صابر البخاري، حدثنا محمد بن المنذر بن سعيد الهروي، حدثنا جعفر بن محمد بن هارون المصيصي، حدثنا عتبة بن السكن، حدثنا أرطاة بن المنذر، حدثنا عطاء بن عجلان، عن يونس بن حلبس، عن عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: «إن اللّه خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي عام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» .
فهذا بعض ما احتج به هؤلاء.
قال الآخرون: الكلام معكم في مقامين، أحدهما: ذكر الدليل على أن الأرواح خلقت بعد خلق الأبدان، الثاني: الجواب عما استدللتم به.
فأما المقام الأول: فقد قال تعالى {يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثى} وهذا خطاب للإنسان الذي هو روح وبدن فدل على أن جملته مخلوقة بعد خلق الأبوين وأصرح منه قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً ونِساءً واتَّقُوا اللَّهَ الآية، وهذا صريح في أن خلق جملة النوع الإنساني بعد خلق أصله.
فإن قيل: فهذا لا ينفي تقدم خلق الأرواح على أجسادها وإن خلقت بعد خلق أبي البشر كما دلت عليه الآثار المتقدمة.