الجبال ليهتفوا 12 ليعطوا الرب مجدًا ويخبروا بتسبيحه في الجزائر 13 الرب
كالجبار يخرج كرجل حروب ينهض غيرته. يهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه)
وهذه العبارات تشير صريحًا إلى الحج والتلبية من فوق جبل عرفات وقوله:
(الرب كالجبار يخرج كرجل حروب) إشارة إلى غزوات رسول الله صلى الله عليه
وسلم [1] والبرية التي سكنها قيدار هي بلاد العرب فإن قيدار هو ابن إسماعيل(تك
25: 13)وكانت مساكن أولاد إسماعيل من حويلة إلى شور التي أمام مصر(تك
25: 18)وحويلة هي اليمن كما في قواميسهم. وسالع معناها الصخرة، ولذلك
ترجمت الكاثوليك العبارة هكذا (ولتترنم سكان الصخرة) ومثلها في الترجمة
الإنكليزية. وفي المدينة المنورة جبل يسمى (سلع) أما سالع المسماة (بطرة)
وهي التي بين خليج العقبة والبحر الميت فكانت تعرف في زمن أشعياء النبي
(بيقتئيل) الذي سماها به (أمصيا) ملك يهوذا (2 مل 14: 7) وإذا كان المراد
بسالع هنا (جبل المدينة) أو (بطرة) فعلى حد سواء لأن بطرة هذه أخذها
المسلمون، وكانت تأتي منها الناس للحج أيضًا مع المنحدرين في البحر، ومع
سكان الجزائر وغيرها. فأي وصف لحج المسلمين بيت الله (الكعبة) أصرح من
هذا؟ ومن راجع الإصحاح الرابع والخمسين وجد أن أشعياء يخاطب به مكة
المكرمة خطابًا ظاهرًا لا ينطبق إلا عليها(راجع كتاب إظهار الحق لتوضيح هذه
البشارات).
(البشارة السادسة) جاء في سِفر التكوين أن يعقوب جمع بنيه وأخبرهم بما
سيحدث لهم في آخر الزمان (49: 1) ثم قال في شأن يهوذا (49: 10) (لا
يزول قضيب (أي صولجان الملك) من يهوذا ومشترع (أي شارع) من بين
رجليه حتى يأتي (شيلون) وله يكون خضوع شعوب) والمعنى أن آل يهوذا لا
يزول منهم الملك والأنبياء (وهم الشارعون) حتى يأتي (شيلون) وهو محمد
صلى الله عليه وسلم الذي به تختم النبوة وتنتقل منهم إليه ويزول كل ملك لهم كان
في الأرض، وقد وقع ذلك كما أخبر يعقوب عليه السلام فإن مملكة يهوذا وإن كانت
زالت سنة 586 ق م وقت انتهاء سَبْي بختنصر لهم إلى بابل إلا أنهم عادوا بعده
إلى بلادهم وعاد لهم شيء من القوة تحت حكم الدول الأجنبية واستقلوا في زمن
(1) حاشية: يشمئز النصارى من ذِكر القتال في القرآن ولا يشمئزون من قول الله تعالى لموسى: (تث 20: 10) (حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح 11 فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك 12 وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها 13 وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف 14 وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك 15 هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًّا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا 16 وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبْق منها نسمة ما) وقد عمل بنو إسرائيل بهذه الأوامر كما يتضح لك من سفر يشوع خليفة موسى وغيره (إصحاح 10 و 11) فمثلاً ورد في هذا السفر قوله (10: 26) (وضربهم يشوع بعد ذلك وقتلهم وعلقهم على خمس خشب وبقوا معلقين على الخشب حتى المساء) وقوله (11: 11) (وضربوا كل نفس بها بحد السيف حرقوهم ولم تُبْق نسمة وأحرق خاصور بالنار 12 فأخذ يشوع كل مدن أولئك الملوك وجميع ملكهم وضربهم بحد السيف حرقهم كما أمر موسى عبد الرب إلى قوله 14 وكل غنيمة تلك المدن والبهائم نهبها بنو إسرائيل لأنفسهم وأما الرجال فضربوهم جميعًا بحد السيف حتى أبادوهم ولم يبقوا نسمة) وجاء أيضًا في سفر صموئيل الثاني 12: 31 أن داود النبي (أخرج الشعب ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفئوس حديد وأمرَّهم(أي: سيرهم) في أتون الآجرّ وهكذا صنع بجميع مدن بني عمون وكذلك قال في سفر أخبار الآباء الأول: إنه نشر أسرى بني عمون هؤلاء بمناشير ونوارج حديد وفئوس كما في الإصحاح العشرين منه (عدد 3) ولم يرد في كتابهم المقدس أن الله تعالى أنكر عليه ذلك أو زجره عن فعله هذا الفظيع وعاقبه عليه بل الكتاب كله مملوء بالثناء على داود وعده من الأبرار الأطهار، نعم ورد فيه شيء من اللوم لداود، ولكنه بسيط وعاد في سفكه الدماء، وليس خاصًا بهذه الحادثه القاسية كما في سفر أخبار الأيام الأول (20: 8) ولو جاز قول النصارى: إن ما ذكر كناية عن إذلال داود لهم وتعذيبهم بالأشغال الشاقة لجاز لقائل
أن يقول: إن قصة صلب عيسى وقيامته من الموت كناية أيضًا عن إيذاء اليهود واضطهادهم له ورفضه ثم نجاته من كيدهم وانتصاره عليهم وارتفاع شأنه وعظم أمره فهل يسلِّم النصارى بهذا التأويل وهو مثل تأويلهم لقصة داود هذه من كل وجه؟ ولم لا يقبلون من الناس ما يقبله الناس منهم؟ فانظر إلى مقدار تعسفهم وتكلفهم في التأويلات كما هو شأنهم في أكثر مسائل دينهم ولكنهم لا يبالون!! وكذلك ذبح إيليا أنبياء البعل وهم 450 رجلاً
(1 مل 18: 22 و 40) وأما كون المسيح عليه السلام لم يعمل شيئًا فهو لاختلاف الأحوال والظروف في زمنه؛ إذ لم يكن له من القوة الحربية ما يكفي للتغلب على أعدائه من اليهود والرومان فلذا كان طريق المسالمة خيرًا له ولأتباعه فاختلفت الأحكام في زمنه عما كان في زمن موسى وخلفائه لاختلاف الأحوال ومع ضعفه هذا وكثرة دعوته للسلم والصفح والعفو قال كما في إنجيل متى 10: 34 (لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا 35 فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنة ضد حماتها 36 وأعداء الإنسان أهل بيته) ولا ندري لو كان بلغ من القوة والسلطان ما بلغه موسى وداود ومحمد عليهم السلام، ماذا تكون أقواله وأفعاله!! ومع تأويل النصارى لهذه العبارة وقت الجدل الديني وقولهم لمحاجيهم: إن دينهم لم يأمرهم إلا بالعفو والصفح ومحبة الأعداء - لا تجد أمة من أمم الأرض ارتكبت مثل ما ارتكبوه من المظالم والحروب وسفك الدماء وقتل الأبرياء واضطهاد الناس في دينهم وإكراههم على المسيحية وإحراقهم بالنيران وتمزيق أجسامهم وغير ذلك من الفظائع التي تشيب لها الولدان ولا ينكرها تاريخ من تواريخهم، فمنذ زمن قسطنطين حيث صارت لهم دولة وقوة إلى اليوم، لا تجد في الغالب زمنًا خاليًا من تعديهم على الضعفاء وظلمهم وخضبهم الأرض بالدماء الطاهرة وتفننهم في اختراع الآلات المدمرة، وكان ذلك في أكثر الأوقات برضا رؤساء الدين وإقرارهم بل وأمرهم به أحيانًا ولا تسمع منهم التحدث بحلم المسيحية وسماحتها في وقت ضعفهم أو في وقت المجادلات الدينية فقط فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.