المكابيين، ثم خضعوا للرومان الذين شتتوهم في الأرض ومحوا أورشليم لكنَّ
جمهورًا عظيمًا منهم ذهبوا إلى بلاد العرب لقربها وحريتها وهوّدوا بعض أهلها
كقبيلة كنانة والحارث بن كعب وكندة وصار لهم فيها أراضٍ واسعة عامرة
وحصون وأملاك وأموال وكانوا فيها ذوي قوة كبيرة غير خاضعين لأحد مطلقًا بل
كانوا مستقلين في حرية تامة، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم انمحت كل
سلطة لهم في الأرض وتشتتوا في العالم وضُربت عليهم الذلة والمسكنة وصاروا في
كل إقليم خاضعين لغيرهم ضعفاء مضطهدين. أما من جهة النبوة والشرع فكانت
الأنبياء تترى فيهم حتى جاء المسيح عليه السلام هو منهم أيضًا وتبعه تلاميذه من
اليهود، وكانوا أيضًا أنبياء ملهمين - كما يقول النصارى - وتصرفوا كثيرًا في
الشريعة الموسوية كما يظهر من كتب العهد الجديد. فلم ينته ملكهم وأنبياؤهم
وتُنسخ كتبهم وشرائعهم إلا بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم الذي به انتهى كل أثر
من آثار ملكهم ولم يظهر فيهم أي نبي بعده.
وقول النصارى: إن هذه نبوة عن المسيح، يرده أن ملك اليهود بقي في بلاد
العرب بعده وظهر فيهم أنبياء (وهم الحواريون) كانوا يشرِّعون لهم في الدين.
فمحمد أحق بها من المسيح عليه السلام.
ومما يؤيد ذلك أن كلمة (شيلون) العبرية معناها - كما قالوا - أمان وسلام
ولا يخفى أن دين محمد صلى الله عليه وسلم يسمى الإسلام قال تعالى: ادْخُلُوا
فِي السِّلْمِ كَافَّةً (البقرة: 208) وتحية المسلمين (السلام عليكم) يقولونها دائمًا
في صلواتهم وفي مقابلة بعضهم بعضًا، وهم مأمورون بإفشاء السلام في الأرض
وفي مسالمة جميع الأمم إلا من بدأهم بالبغي والعدوان، فهم أمان وسلام للناس كافة
إلا المعتدين(أشداء على الكفار رحماء بينهم. أذلة على المؤمنين أعزة على
الكافرين)وهذه الكلمات (السِّلم(بكسر السين وفتحها) والإسلام والسلام) كلها
من مادة واحدة ومتقاربة في معنى الصلح والأمان والطاعة، وعليه فهذه البشارة
صريحة في محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الذي ذكر فيها باسمه فكأن يعقوب قال:
(إن ملك اليهود لا يزول تمامًا وأنبياؤهم لا تنتهي إلا إذا جاء(الإسلام) أو