وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ:"إِنَّ هَذِهِ الرُّوحَ الَّتِي خَاطَبَهَا هِيَ رُوحُ الْمَسِيحِ"، فَإِنَّ رُوحَ الْمَسِيحِ إِنَّمَا حَدَثَتْ مِنْ تِلْكَ النَّفْخَةِ الَّتِي نَفَخَهَا رَسُولُ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَقُولُ الْمَسِيحُ لِأُمِّهِ: أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا؟ وَكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء: 91] ، أَيْ مِنْ رُوحِ وَلَدِهَا، فَتَكُونُ رُوحُ الْمَسِيحِ هِيَ النَّافِخَةَ لِنَفْسِهَا فِي بَطْنِ أُمِّهِ؟!
وَهَذَا قَوْلٌ تَكْثُرُ الدَّلَائِلُ عَلَى بُطْلَانِهِ، وَإِنَّمَا أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ إِشَارَةً.
وقال في (كتاب الروح) ما نصه:
المسألة الثامنة عشرة [وهي تقدم خلق الأرواح على الأجساد أو تأخر خلقها عنها]
فهذه المسألة للناس فيها قولان معروفان حكاهما شيخ الإسلام وغيره، وممن ذهب إلى تقدم خلقها محمد بن نصر المروزي وأبو محمد بن حزم، وحكاه ابن حزم إجماعا. ونحن نذكر حجج الفريقين وما هو الأولى منها بالصواب.
قال من ذهب إلى تقدم خلقها على خلق البدن: قال اللّه تعالى: {ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا} قالوا ثم للترتيب والمهلة فقد تضمنت الآية أن خلقها مقدم على أمر اللّه للملائكة بالسجود لآدم.
ومن المعلوم قطعا أن أبداننا حادثة بعد ذلك، فعلم أنها الأرواح.
قالوا: ويدل عليه قوله سبحانه: {وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى} قالوا: وهذا الاستنطاق والإشهاد إنما كان لأرواحنا إذ لم تكن الأبدان حينئذ موجودة، ففي الموطأ: