وفيه نظرٌ - إن صحَّ عنه - وذلك أن هذا النفي صار مُقرَّراً ، فكيف يكفرون بتصديق التقرير؟ وإنَّما المانعُ من جهةِ اللغة ، وهو أنَّ النفيَ مطلقاً إذا قُصدَ إيجابه أجيب بـ"بَلَى"وإن كان مقرراً بسبب دخول الاستفهام عليه ، وإنَّما كان ذلك تغليباً لجانب اللفظ ، ولا يجوز مراعاةُ جانب المعنى إلاَّ في شعر ، كقوله: [الوافر]
2618 - ألَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أمَّ عَمْرٍو...
وإيَّانَا فَذاكَ بِنَا تَدَأنِي
نَعَمْ وأرَى الهلالَ كما تَرَاهُ...
ويَعْلُوهَا النَّهارُ كَمَا عَلانِي
فأجاب قوله ألَيْسَ بـ"نَعَمْ"، مراعاةً للمعنى ؛ لأنه إيجاب.
قوله شَهِدْنا هذا من كلامِ اللَّهِ تعالى ، وقيل: من كلام الملائكة ، لأنهم لمَّا قالوا بَلَى ، قال الله للملائكة: اشهدوا فقال: شهدنا ، وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله:"قالوا بَلَى"لأن كلامَ الذرية قد انقطع ههنا.
وقوله:"أنْ تقُولُوا"أي: لئلا تقولوا {إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ} تقريره: أنَّ الملائكة قالوا شهدنا عليهم بالإقرارِ ؛ يقولوا ما أقررنا ، فأسقط كلمة"لِئَلاَّ"كقوله {وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15] ، أي: لئلاَّ تميد بكم.
قاله الكوفيون ، وعند البصريين تقديره: شَهِدْنَا كراهة أن تقولوا.
وقيل: من كلام الله تعالى والملائكة.
وقيل: من كلام الذُّريَّةِ ، وعلى هذا فقوله: {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ} تقديره: وأشهدهم على نفسهم بكذا وكذا لئلاَّ يقولوا يوم القيامة: {إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ} أو كراهية أن يقولوا ذلك.
قال الواحديُّ: وعلى هذا لا يحسن الوقفُ على قوله: بَلَى ولا يتعلَّقُ أن تقوُلُوا بـ"شَهِدْنَا"ولكن بقوله:"وأشهدَهُمْ"فلم يجز قطعه عنه.