قال أبو حيان في قراءة الإفراد في هذه السُّورةِ: ويتعيَّن أن يكون مفعولاً بـ"أخذ"وهو على حذف مضاف ، أي: ميثق ذريتهم.
يعني أنه لم يَجُزْ فيه ما جازَ في ذُرِّيَاتهم من أنَّه بدل ، والمفعولُ محذوف وذلك واضحٌ ؛ لأنَّ من قرأ:"ذُرِّيَّتَهُمْ"بالإفراد لم يَقْرَأهُ إلاَّ منصوباً ، ولو كان بدلاً من هُمْ في ظُهُورِهِمْ لكان مجرورً ، بخلاف ذُرِّيَّاتهم بالجمع فإنَّ الكسرة تَصْلُح أن تكون علامة للجر وللنصب في جمع المُؤنَّثِ السَّالمِ.
قال الواحديُّ: الذرية تقع على الواحِدِ والجمع ، فمنْ أفردَ فقد استغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع كالبشر فإنه يقع على الواحد ، كقوله: {مَا هَذَا بَشَرًا} [يوسف: 31] وعلى الجمع ، كقوله: {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} [التغابن: 6] {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا} [إبراهيم: 10] فكما لم يجمع"بشر"جمع تصحيح ، ولا تكسير كذلك لا يجمع"الذريَّة".
ومن جمع قال: إنَّ الذرية وإن كان واحداً فلا إشكال في جواز الجمع فيه ، وإن كان جمعاً فجمعه حسن ، لأنَّ الجموع المكسرة قد معت نحو: الطرقات والجدرات.
قوله: {وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ} .
أمَّا على قولِ مَنْ أثْبَتَ الميثاق الأوَّل فكل هذه الأشياء محمولة على ظواهرها ، وأمَّا من أنكره ، قال: إنَّهَا محمولة على التَّمثيل ، أي: أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته ، وشهدت بها عقولهم ، فصار ذلك جارياً مجرى ما إذَا أشهدهم على أنفسهم ، وقال لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} .
وكأنهم قالوا بلى أنت ربُّنَا.
قوله:"بَلَى"جواب:"ألَسْتُ".
قال ابنُ عبَّاس: لو قالوا"نَعَمْ"لكفروا ، يريد أنَّ النَّفيَ إذا أجيب بـ"نعم"كان تصديقاً له ، فكأنهم أقَرُّوا بأنه ليس بربهم ، هكذا ينقلونه عن ابن عباس.