والضمير في أشهدهم عائد على الذرية باعتبار معناه ، لأنه اسم يدل على جمعَ.
والقول في {قالوا بلى} مستعار أيضاً لدلالة حالهم على الإعتراف بالربوبية لله تعالى.
وجملة {ألستُ بربكم} مقولٌ لقول محذوف هو بيان لجملة {أشهدهم على أنفسهم} أي قررهم بهذا القول وهو من أمر التكوين.
والمعنى واحد ، لأن الذرية لما أضيف إلى ضمير بني آدم كان على معنى التوزيع.
والاستفهام في {ألست بربكم} تقريري ، ومثله يقال في تقرير من يُظن به الإنكار أو يُنزل منزلة ذلك ، فلذلك يقرر على النفي استدراجاً له حتى إذا كان عاقداً قلبه على النفي ظن أن المقّرر يطلبه منه ، فأقدم على الجواب بالنفي ، فأما إذا لم يكن عاقداً قلبه عليه فإنه يجيب بإبطال النفي ، فيتحقق أنه بريء من نفي ذلك ، وعليه قوله تعالى: {ويوم يُعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق} [الأحقاف: 34] تنزيلاً لهم منزلة من يظنه ليس بحق ، لأنهم كانوا ينكرونه في الدنيا ، وقد تقدم عند قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم ياتكم رسلٌ منكم} في سورة الأنعام (130) .
والكلام تمثيل حال من أحوال الغيب ، من تسلط أمر التكوين الإلهي على ذوات الكائنات وأعراضها عند إرادة تكوينها ، لا تبلغ النفوس إلى تصورها بالكُنْه ، لأنها وراء المعتاد المألوف ، فيراد تقريبها بهذا التمثيل ، وحاصل المعنى: أن الله خلق في الإنسان من وقت تكوينه إدراك أدلة الوحدانية ، وجعل في فطرة حركة تفكير الإنسان التطلع إلى إدراك ذلك ، وتحصيل إدراكه إذا جرد نفسه من العوارض التي تدخل على فطرته فتفسدها.
وجملة: {قالوا بلى} جواب عن الاستفهام التقريري ، وفصلت لأنها جاءت على طريقة المحاورة كما تقدم في قوله تعالى:
{قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} في سورة البقرة (30) .