وأطلق القول إما حقيقة فذلك قول خارق للعادة ، وإمّا مجازاً على دلالة حالهم على أنهم مربوبون لله تعالى ، كما أطلق القول على مثله في قوله تعالى: {فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 11] أي ظهرت فيهما آثار أمر التكوين.
وقال أبو النجم:
قالت له الطيرُ تقّدم راشداً...
إنك لا ترجع إلا حامداً
فهو من المجاز الذي كثر في كلام العرب.
و {بلى} حرف جواب لكلام فيه معنى النفي ، فيقتضي إبطال النفي وتقرير المنفي ، ولذلك كان الجواب بها بعد النفي أصرح من الجواب بحرف (نَعم) ، لأن نعم تحتمل تقرير النفي وتقرير المنفي ، وهذا معنى ما نقل عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال:"لو قالوا نعم لكفروا"أي لكان جوابهم محتملا للكفر ، ولما كان المقام مقام إقرار كان الاحتمال فيه تفصيا من الاعتراف.
وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، ويعقوب: {ذرياتهم} ، بالجمع ، وقرأ الباقون {ذُريتهم} ، بالإفراد.
وقولهم: {شهدنا} تأكيد لمضمون {بلى} والشهادة هنا أيضاً بمعنى الإقرار.
ووقع {أن تقولوا} في موقع التعليل لفعل الأخذ والإشهاد ، فهو على تقرير لام التعليل الجارة ، وحذفُها مع أنْ جار على المطرد الشائع.
والمقصود التعليل بنفي أن يقولوا {إنا كنا عن هذا غافلين} لا بإيقاع القول ، فحذف حرف النفي جريا على شيوخ حذفه مع القول ، أو هو تعليل بأنهم يقولون ذلك ، إن لم يقع إشهادهم على أنفسهم كما تقدم عند قوله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب} في سورة الأنعام (156) .
وقرأ الجمهور: أن تقولوا بتاء الخطاب وقد حول الأسلوب من الغيبة إلى الخطاب ، ثم من خطاب الرسول إلى خطاب قومه ، تصريحاً بأن المقصود من قصة أخذ العهد تذكير المشركين بما أودع الله في الفطرة من التوحيد ، وهذا الأسلوب هو من تحويل الخطاب عن مخاطب إلى غيره ، وليس من الإلتفاف لاختلاف المخاطبين.