حديث آخر: قال عبد الرحمن بن قتادة النَّصْري عن أبيه ، عن هشام بن حكيم ، رضي الله عنه ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، أتبدأ الأعمال ، أم قد قُضِي القضاء ؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ، ثم أشهدهم على أنفسهم ، ثم أفاض بهم في كفيه"ثم قال:"هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار ، فأهل الجنة مُيَسَّرون لعمل أهل الجنة ، وأهل النار مُيَسَّرون لعمل أهل النار".
رواه ابن جرير ، وابن مردويه من طرق عنه (1)
قال العلامة الشيخ أحمد شاكر ما نصه:
(6) الأثر: 15377 - رواه أبو جعفر بأربعة أسانيد ، هذا ، والذي يليه إلى رقم ، 15380 . وهو خبر قد نصوا قديماً على أنه مضطرب الإسناد . واضطرابه من وجوه سأبينها بعد: إن شاء الله ، في هذا الموضع .
(أحمد بن الفرج بن سليمان الكندي الحمصي) ، (أبو عتبة) يعرف بالحجازي . ورد بغداد غير مرة ، وحدث بها عن بقية بن الوليد ، وغيره . روى عنه عبد الله بن أحمد ابن حنبل ، وابن جرير ، والحسين بن إسماعيل المحاملي ، وغيرهم ، وكتب عنه ابن أبي حاتم ، وقال: (محله عندنا الصدق) . قال ابن عدي: (كان محمد بن عوف الطائي ، يضعفه ، ومع ضعفه يكتب حديثه) . قال محمد بن عوف الطائي: (الحجازى كذاب ... وليس عنده في حديث بقية بن الوليد عن الزبيدي ، أصل . هو فيها أكذب خلق الله . إنما هي أحاديث وقعت إليه في ظهر قرطاس كتاب صاحب حديث ، في أولها مكتوب: حدثنا يزيد بن عبد ربه ، قال حدثنا بقية) ، ثم رماه بأشياء . وذكره ابن حبان في الثقات
وقال: (يخطئ وهو مشهور بكنيته) . ومع ذلك ، فهذا الخبر الذي رواه عنه أبو جعفر ، رواه بعده عن محمد بن عوف الطائي وغيره ، فما قيل فيه لا يضر . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/ 1/ 67 ، وتاريخ بغداد 4: 339 - 341 ، وقد مضى برقم: 6899 ، بروايته عن بقية بن الوليد ، ولم يترجم هناك .
و (بقية بن الوليد الحمصي) ، ثقة ، تكلموا فيه من أجل تدليسه ، فإذا صرح بالسماع كانت روايته صحيحة ، وقد صرح بها في هذا الأثر ، ولم يصرح في الذي يليه . وقد مضى برقم: 153 ، 5563 ، 6521 ، 6899 ، 9224 ، وغيرها .
و (الزبيدي) هو (محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي) ، ثقة ، روى له الشيخان . مضى برقم: 6656 ، 6899 .
و (راشد بن سعد المقرئي الحبراني الحمصي) ، وثقه ابن سعد ، وابن معين وغيرهما . وقال أحمد: (لا بأس به) ، وقال الدارقطني: (يعتبر به إذا لم يحدث عن متروك) . وشذ ابن حزم فضعفه . وذهبت عين راشد بن سعد في يوم صفين ، وتوفي سنة 108 . مترجم في التهذيب ، وابن سعد7/2/162 ، والكبير 2/1/266 ، وابن أبي حاتم 1/ 2/ 483 ، وميزان الاعتدال 1: 331 ، ومختصر تاريخ ابن عساكر 5: 289 .
ومن عند رواية راشد بن سعد يبدأ الاضطراب في إسناد الخبر ، وفي نسبة بعض رجاله ، والاختلاف في لفظه . وهذه هي أسانيده التي وقعت لي ، جمعتها مع ذكر موضع كل إسناد:
1 -الزبيدي ، عن راشد بن سعد ، عن عبد الرحمن بن قتادة النصري ، عن أبيه ، عن هشام بن حكيم الطبري: 15377 - 15379/ الكبير للبخاري 4/2/191 ، 192/ إسحاق بن راهويه ، في (شفاء العليل) لابن القيم: 10/ ابن كثير 3: 588 .
2 -الزبيدي ، عن راشد بن سعد ، عن عبد الرحمن بن قتادة النصري ، عن هشام بن حكيم الآجري في الشريعة: 172 .
3 -معاوية بن صالح ، عن راشد بن سعد ، عن عبد الرحمن بن قتادة ، عن هشام بن حكيم الطبري: 1538.
4 -معاوية بن صالح ، عن راشد بن سعد ، عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي ، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن سعد 1/ 1/ 9 ثم 7/2/135 المسند 4: 186/ المستدرك 1: 31/ أسد الغابة 3: 319/ الإصابة 4: 179 ، في ترجمة عبد الرحمن بن قتادة .
5 -الزبيدي ، ... عن عبد الرحمن بن قتادة ، عن أبيه ، وهشام بن حكيم الإصابة 4: 179 ، غير مبين تمام إسناده ، ولكنه عن راشد بن سعد بلا شك .
فالأسانيد الثلاثة الأولى ، والإسناد الخامس ، رواية الخبر فيها عن هشام بن حكيم ، أو عن قتادة النصري . واختلف الزبيدي على راشد بن سعد ، فقال مرة: (عبد الرحمن بن قتادة ، عن أبيه ، عن هشام) وقال مرة أخرى: (عبد الرحمن بن قتادة ، عن هشام) ، وأسقط ذكر (عن أبيه) . وأما معاوية بن صالح ، فاختلف على راشد بن سعد ، فقال مرة: (عبد الرحمن بن قتادة عن هشام بن حكيم) ، كإسناد الزبيدي الثاني ، وقال مرة أخرى: (عبد الرحمن بن قتادة السلمي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمعت رسول الله) .
قال ابن حجر: (وأعل البخاري الحديث: بأن عبد الرحمن إنما رواه عن هشام بن حكيم . هكذا رواه معاوية بن صالح وغيره عن راشد بن سعد . وقال معاوية مرة أن عبد الرحمن قال: سمعت ، وهو خطأ . ورواه الزبيدي ، عن عبد الرحمن بن قتادة ، عن أبيه ، وهشام بن حكيم . وقيل عن الزبيدي: عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن هشام) (الإصابة 4: 179) .
أما الاختلاف الثاني في نسبة بعض رجاله ، فإن الذي جاء في الإسناد الأول والثاني: (عبد الرحمن بن قتادة النصري) . ثم جاء في الإسناد الرابع (عبد الرحمن بن قتادة السلمي) ، ولم يذكر في ترجمة (عبد الرحمن بن قتادة السلمي) الصحابي أنه يقال له: (النصري) ، وسيتبين ذلك في الكلام بعد عن رجال الإسناد .
أما الاختلاف الثالث ، ففي لفظة . فهذا اللفظ الذي رواه أبو جعفر الطبري هنا برقم 15377 ، رواه بنحوه البخاري في الكبير 4/2/191 ، 192 ، والآجري في كتاب الشريعة: 172 ، وإسحاق ابن راهويه (شفاء العليل: 10) ، ومجمع الزوائد 7: 186 ، والدر المنثور 1: 143 ، وزاد نسبته إلى البزار والطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، وكل ذلك عن هشام بن حكيم .
وقال الهيثمى في مجمع الزوائد ، وذكر هذا الخبر بلفظه ، عن هشام بن حكيم ، ثم قال: (رواه البزار ، والطبراني . وفيه بقيه بن الوليد ، وهو ضعيف ، ويحسن حديثه بكثرة الشواهد . وإسناد الطبراني حسن) .
وأما اللفظ الثاني: فهو عبد الرحمن بن قتادة السلمي ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أن الله عز وجل خلق آدم ، ثم اخذ الخلق من ظهره . وقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي .فقال قائل: يا رسول الله ، فعلى ماذا نعمل ؟ قال: على مواقع القدر)
وبهذا اللفظ ونحوه عن عبد الرحمن بن قتاده السلمي الصحابي ، رواه احمد في المسند 4: 186 ، وابن سعد في الطبقات 1/ 1/ 9 ثم 7/ 2/ 135 ثم ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2/ 2/ 276 ثم الحاكم في المستدرك 1: 31/ مجمع الزوائد 7: 186/ الإصابة 4: 179/ تعجيل المنفعة: 255 ، 256/ الدر المنشور 1: 144 ، 145 ، ونسبه إلى ابن سعد وأحمد . قال الحاكم في المستدرك: (هذا حديث صحيح ، قد اتفقا على الاحتجاج برواته عن آخرهم إلى الصحابة . وعبد الرحمن بن قتادة من بنى سلمة ، من الصحابة . وقد احتجا جميعاً بزهير بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس له راو غير أبي عثمان النهدى ، وكذلك احتج البخاري بحديث أبي سعيد بن المعلى ، وليس له راو غير حفص بن عاصم) . ووافقه الذهبي .
وأما الهيثمى في مجمع الزوائد فقال: (رواه أحمد ، ورجاله ثقات) ، يعني الإسناد الرابع الذي ذكرناه ، باللفظ الثاني .
ثم نقضي إلى القول في (عبد الرحمن بن قتادة) . فهو في الإسناد الأول والثاني (عبد الرحمن بن قتادة النصري) ، يروى عن أبيه ، عن هشام ، الحديث باللفظ الأول ، ولا يظهر من إسناده أنه صحابي ، فإن كان صحابياً ، فهو صحابي ، يروى عن صحابي ، عن صحابي ، وهو غريب نادر . فإذا صح ما قاله البخاري أن الراوي هو عبد الرحمن عن هشام ، وان قوله: (عن أبيه) زيادة ، فهو رواية صحابي عن صحابي . ويحتمل أن يكون (عبد الرحمن بن قتادة النصري) ، تابعياً . ولكن لم يبين أحد أن (عبد الرحمن بن قتادة النصري) ، غير (عبدالرحمن بن قتادة السلمي) ، و (السلمي) ، صحابي ، كما جاء في نص الإسناد الرابع . وترجم للصحابي (عبد الرحمن بن قتادة السلمي) : ابن سعد 7/ 2/ 135 ثم ابن أبي حاتم 2/ 2/ 276 وقال بعد: (روى عن هشام بن حكيم ، روى عنه راشد بن سعد ثم الاستيعاب: 398/ وأسد الغابة 3: 319/ وتعجيل المنفعة: 255/ والإصابة 45: 179 . ولم يذكر أحد منهم أن هذا(السلمي) يقال له (النصري) . وهذا غريب أيضا .
ثم إنهم ترجموا لأبيه (قتادة النصري) في الكبير 4/ 1/ 185 ، وقال: (سمع هشام بن حكيم ، روى عنه ابنه عبد الرحمن) ، وابن أبي حاتم 3/ 2/ 135 ، وقال مثله . أما (قتادة السلمي) ، فلم يذكر الموضعين ، بل جاء ذكره في ترجمة (هشام بن حكيم) في التهذيب ، والإصابة . وهذا غريب أيضاً .
(ونسبة السلمي) ، مضبوطة بالقلم في ابن سعد وغيره بضم السين وفتح اللام ، نسبة إلى (سليم ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان) وأما الحاكم في المستدرك ، فقد بين أنه من (بني سلمة) (بفتح السين وكسر اللام) والنسبة إليها (السلمي) (بفتحتين) ، وهم من الأنصار . وسواء أكان هذا أو ذاك ، فلا أدري كيف يكون (نصرياً) من كان من هذه أو تلك . و (النصري) فيما أرجح ، إنما هو نسبة إلى (نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة) ، وهم من أبناء عمومة (سليم بن منصور) فجائز أن يكون (عبد الرحمن بن قتادة) من بني (سليم ابن منصور) ، دخل في بني عمومته (نصر بن معاوية) فنسب إليهم أيضاً . ولا حجة لي في ذلك ، كما لم أجد حجة لما قاله الحاكم في المستدرك .
وقد أطلت في بيان هذا الاضطراب ، لأضبطه بعض الضبط . وبعد ذلك كله ، فمعنى الحديث صحيح ، مروى عن جماعة من الصحابة بأسانيد ليس فيها هذا الاضطراب . وهو اضطراب قديم ، كما نصوا على ذلك فيما نقلت آنفاً. انتهى كلام الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى.