أنت أرحم يا رب من أن تهلكنا بما فعل السفهاء منا ، وهذا القول يدل على أن العملية عملية فعل ، والفعل هو عبادة العجل ؛ فلو أن هذا هو الميقات الأول لما احتاج إلى مثل هذا القول ؛ لأن قوم موسى لم يكونوا قد عبدوا العجل بعد . ولكنهم قالوا بعد الميقات الأول: ما دام موسى قد كلم الله ، فلابد لنا أن نرى الله ، وقالوا فعلاً لموسى: {أَرِنَا الله جَهْرَةً ...} [النساء: 153]
إذن نجد أن ما حصل من قوم موسى بعد الميقات الأول هو قولهم: {أَرِنَا الله جَهْرَةً} وليس الفعل ، أما هنا فالآية تتحدث عن الفعل: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} .
وهكذا نعلم أن الآية تتحدث عن ميقات ثانٍ تحدد بعد أن عبد بعضهم العجل ، والفتنة هي الاختبار ، والاختبار ليس مذموماً في ذاته ، ولا يقال في أي امتحان إنه مذموم . إنما المذموم هو النتيجة عند من يرسب ، والاختبار والامتحان غير مذموم عند من ينجح .
إذن فالفتنة هي الابتلاء والاختبار ، وهذا الاختبار يواجه الإِنسان الجاهل الذي لا يعلم بما تصير إليه الأمور وتنتهي إليه ليختار الطريق ويصل إلى النتيجة . ولا يكون ذلك بالنسبة لله ؛ لأنه يعلم أزلاً كل سلوك لعباده ، لكن هذا العلم لا يكون حجة على العباد ؛ ولابد من الفعل من العباد ليبرز ويظهر ويكون له وجود في الواقع لتكون الحجة عليهم . والأخذ بالواقع هو الأعدل .
وقول موسى عليه السلام: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ ...} [الأعراف: 155]
هذا القول يعني: أنك يا رب قد جعلت الاختبار لأنك خلقتهم مختارين ؛ فيصح أن يطيعوا ويصح أن يعصوا . والله سبحانه هو من يُضل ويهدي ؛ لأنه ما دام قد جعل الإِنسان مختاراً فقد جعل فيه القدرة على الضلال ، والقدرة على الهدى .