(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ(154)
كان الغضب أمرا عارضا لموسى بسبب أن قومه انتهكوا حمى التوحيد، وأشركوا بالله، ولم يغب عنهم إلا أربعين ليلة، فاستطالوها وعجَّلوا به مخالفين أمر ربهم، وبعد أن هذا الغضب، إذ أقام أمر الله ونهيه، وقد كان سريع الفيئة كما روينا أي سريع الرضا، وكذلك شأن النبيين لَا يلج بهم الغضب؛ حتى لا يشغلوا عن الدعوة إلى الحق الذي بعثهم الله تعالى لإقامته.
وقوله تعالى:
(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) يدل على أنه عارض زال فعاد الواجب قويا قائما، بعد زواله (أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا) ، أي في المكتوب فيها، وهو الأصل الثابت الذي كتب بأمر الله تعالى، وكأنه - سبحانه وتعالى - هو الذي كتبه (هُدًى وَرَحْمَةٌ) ، أي في نسختها الأصلية. . (هُدًى وَرَحْمَةٌ) ، أي
هداية إلى الحق في وسط دياجير الباطل والظلمات ورحمة بشريعتها التي اشتملت عليها، فالشريعة في التوراة بأخذها على أيدي الظالمين وإقامة العدل، يكون ذلك رحمة، فالعدل في ذاته رحمة، كما جاء في القرآن الكريم: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ. . .) .
وإن هذه الهداية وتلك الرحمة إنما ينتفع بها الذين يرهبون الله تعالى ويخافونه، والذين يخافون الظلم ويجتنبونه، والذين في قلوبهم رأفة بالناس، ويخافون أن يؤذوهم ويتجنبؤن الأذى، ويخافون عذاب الله، ولذا قال تعالى: (لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) .