وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر رحمه الله من هذا المعنى آثاراً وافرة في"جامع بيان العلم وفضله"وقال: احتج من نفى القياس بهذه الآثار ومثلها ، وقالوا في حديث معاذ: إن معناه أن يجتهد رأيه على الكتاب والسنة ، وتكلم داود في إسناد حديث معاذ ، وردّه ودفعه من أجل أنه عن أصحاب معاذ ، ولم يُسَمُّوا ، قال الحافظ ابن عبد البر: وحديث معاذ صحيح مشهور ، رواه الأئمة العدول ، وهو أصل في الاجتهاد والقياس على الأصول ، ثم قال: وسائر الفقهاء قالوا في هذه الآثار وما كان مثلها في ذم القياس: إنه القياس على غير أصل ، أو القياس الذي يردّ به أصل ، والقول في دين الله بالظن ، ألا ترى إلى قول من قال منهم: أول من قاس إبليس ؟ لأن إبليس ردّ أصل العلم بالرأي الفاسد ، والقياس لا يجوز عند أحد ممن قال به إلا في رد الفروع إلى أصولها ، لا في رد الأصول بالرأي والظن ، وإذا صح النص من الكتاب والأثر بطل القياس
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} الآية ، وأي: أصل أقوى من أمر الله تعالى لإبليس بالسجود ، وهو العالم بما خُلق منه آدم ، وما خلق منه إبليس ؟ ثم أمره بالسجود له فأبى واستكبر لعلة ليست بمانعة من أن يأمره الله بما يشاء ، فهذا ومثله لا يحلّ ولا يجوز ، وأما القياس على الأصول ، والحكم للشيء بحكم نظيره ، فهذا ما لا يختلف فيه أحد من السلف ، وبل كل من رُوي عنه ذم القياس قد وجد له القياس الصحيح منصوصاً ، لا يدفع هذا إلا جاهل أو متجاهل ، مخالف للسلف في الأحكام .
وقال مسروق الوراق:
كلنا من الدين قبل اليوم في سعةٍ
حتى ابتلينا بأصحاب المقاييس
قاموا من السوق إذ قلت مكاسبهم فاستعملوا الرأي عند الفقر والبوس
أما العُرَيب فقوم لا عطاء لهم وفي الموالي علاماتُ المفاليس
فلقيه أبو حنيفة فقال: هجوتنا ، نحن نرضيك ، فبعث إليه بدراهم فقال: