وأخرج أيضاً بإسناد صحيح عن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس ، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس ، ولذا احتج بهذه الآية من ذهب إلى عدم جواز تخصيص النص بالقياس ، وإلا لما استوجب إبليس هذا الذم الشديد .
قال الرازي: بيان الملازمة أن قوله تعالى للملائكة: {اسجدوا لآدم} خطاب عام يتناول جميع الملائكة ، ثم إن إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس ، وهو أنه مخلوق من النار ، والنار أشرف من الطين ، ومن كان أصله أشرف فهو أشرف ، والأشرف لا يجوز أن لا يؤمر بخدمة الأدنى ، والدليل عليه أن هذا الحكم ثابت في جميع النظائر ، ولا معنى للقياس إلا ذلك .
وقد ثبت أن إبليس لما خصص العموم بهذا القياس استحق الذم ، وما ذاك إلا لعدم جوازه ، وأيضاً ففي الآية دلالة على ذلك من وجه آخر: وذلك لأن إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى: {فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكونُ لَكَ أَن تَتكبَّرَ فِيهَا} فوصفه الله تعالى بكونه متكبراً ، بعد أن حكى عنه ذلك القياس الذي يوجب تخصيص النص ، وهذا يقتضي أن من حاول تخصيص عموم النص بالقياس تكبّر على الله .
ودلت هذه الآية على أن التكبر عليه تعالى يوجب العقاب الشديد ، والإخراج من زمرة الأولياء .
ثبت أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز ، وهذا هو المراد مما نقله الواحديّ في"البسيط"عن ابن عباس أنه قال: كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس ، فعصى ربه وقاس ، وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه ، فمن قاس الدين بشيء من رأيه ، قرنه الله مع إبليس ، هذا ما نقله الواحدي في"البسيط"عن ابن عباس ، وأفاده الرازي .
وقد روي عن السلف آثار كثيرة في ذم القياس ، منها ما تقدم عن الحسن وابن سيرين وابن عباس ، وعن مسروق قال: لا أقيس شيئاً بشيء ، فتزلّ قدمي بعد ثبوتها .
وعن الشعبي: إياكم والقياس ، وإنكم إن أخذتم به أحللتم الحرام ، وحرمتم الحلال ، ولأن أتغنى غنية ، أحب إليّ من أن أقول في شيء برأيي .