فالجملة متضمنة لجواب بقياس استدلاليّ ؛ وهي من الأسلوب الأحمق كما في قصة نمرود . وقد علل ما ادعاه من الخيرية والفضل بزعمه أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين ، لأنها جوهر نورانيّ ، وهو ظلمانيّ ، ولقد أخطأ اللعين حيث خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر ، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل ، كما أنبأ عنه قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} . أي: بغير واسطة ، وباعتبار الصورة ، كما نبه عليه بقوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} ، وباعتبار الغاية وهو ملاك الأمر ، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما بين لهم أنه أعلم منهم بما يدور عليه أمر الخلافة في الأرض ، وأن له خواصّ ليست لغيره .
وبالجملة فالشيء كما يشرف بمادته ، يشرف بفاعله وغايته وصورته ، والثلاثة في آدم عليه السلام دونه ، فاستبان غلطه .
وفي"اللباب"أن عدو الله إبليس جهل وجه الحق ، وأخطأ طريق الصواب ، لأن من المعلوم أن من جوهر النار الخفة والطيش والارتفاع والاضطراب ، وهذا الذي حمله ، مع سابقة شقائه على الاستكبار عن السجود لآدم عليه السلام ، والاستخفاف بأمر ربه ، فأورده ذلك العطب والهلاك .
ومن جوهر الطين الرزانة والأناة والصبر والحلم والحياء والتثبت ، وهذا كان الداعي لآدم عليه السلام ، مع سابقة سعادته ، إلى التوبة من خطيئته ، ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجانّ من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم ) . رواه مسلم .
تنبيه:
روى ابن جرير بإسناد صحيح عن الحسن في قوله تعالى:
{خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} قال: قال إبليس وهو أول من قاس .