قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنَ التَّأْوِيلِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ هُوَ مَعْنَى مَا قُلْنَا فِي الْحَرَجِ، لِأَنَّ الشَّكَّ فِيهِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ ضِيقِ الصَّدْرِ بِهِ وَقِلَّةِ الِاتِّسَاعِ لِتَوْجِيهِهِ وِجْهَتَهُ الَّتِي هِيَ وِجْهَتُهُ الصَّحِيحَةُ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْعِبَارَةَ عَنْهُ بِمَعْنَى الضِّيقِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ مِنْ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّاهُ قَبْلُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}
يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ لِتُنْذِرَ بِهِ مَنْ أَمَرْتُكَ بِإِنْذَارِهِ، {وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} : وَهُوَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ، وَمَعْنَاهُ: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ، وَذِكْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ كَانَ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: {وَذِكْرَى} نَصْبًا بِمَعْنَى: أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْكِتَابَ لِتُنْذِرَ بِهِ، وَتُذَكِّرَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَلَوْ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: هَذَا كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أَنْ تُنْذِرَ بِهِ وَتُذَكِّرَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ قَوْلًا غَيْرَ مَدْفُوعَةٍ صِحَّتُهُ. وَإِذَا وُجِّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ فِي قَوْلِهِ: {وَذِكْرًى} مِنَ الْإِعْرَابِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا النَّصْبُ بِالرَّدِّ عَلَى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ بِهِ، وَالْآخَرُ الرَّفْعُ عَطْفًا عَلَى الْكِتَابِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: المص، كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَذِكْرًى لِلْمُؤْمِنِينَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) }
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ: اتَّبِعُوا أَيُّهَا النَّاسُ مَا جَاءَكُمْ مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، وَاعْمَلُوا بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ، {وَلَا تَتَّبِعُوا} شَيْئًا {مِنْ دُونِهِ}