وأما ما قال النبي - صلى الله عليه وسلّم - في عبد الله بن جدعان وحاتم طي فإما هو في أنهما لا يدخلان الجنة ولا ينعمان بشيء من نعيمها والله أعلم.
وهذا الثاني وجه فاسد، لأن الله - عز وجل - إذا خفف عن الكفار العذاب الذي ذكره جزاء الكفر كان ذلك مغفرة منه لبعض الكفر، وقد أخبر الله - عز وجل - في كتابه أنه لا يغفر أن يشرك به، فلو جاز مع هذا الخبر أن يغفر بعض الشرك، لجاز معه أن يغفره، وذلك ممتنع.
وفي هذا بيان خبر أبي طالب غير صحيح، لا يجوز إثباته عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - إلا أن يكون معناه: أن جزاء الكافر من العذاب واصل إليه، ولكن الله تعالى وضع وراء ذلك عنه ألواناً من العذاب على جنايات جناها سوى الكفر تطبيباً لقلب النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، وثواباً له في نفسه لا لأبي طالب، ولا في هذا القول احتساباً بحسنات الكافر، وتلك ليست بحسنات منه في الحقيقة.
ولا لقائل أن يقول: وجود الحسنات منه كوجود السيئات من المؤمن لأن الحسنات طاعة والكافر لا يثب الجنة دار المطيعين والكافر لا طاعة منه، وأما السيئة فهي معصية المؤمن، فثبت الأمر الذي يتصرف العصيان إليه، فصحت السيئة منه ولهذا جاز أن يستوجب بها النار.
وإذا كان كذلك صح أن حسنات الكافر لا يجوز أن توزن ليجزي بها خيراً، وأقصى ما يكون أن يقال فيها: إنها توزن قطعاً بحجته، وعلى معنى أن يقال: إن كانت خيراً بلى هذه فقد وزناها إلا أن الكفة لما قابلها رجح بها وأحبطها، فما ذلك بعد هذا فأما على غير هذا الوجه فلا يمكن أن تكون موزونة والله أعلم.
ولا يصح لأصحابنا من هذا الوضع قول سوى هذا، لأنهم إن قالوا: ان تثبت حسناته كما تثبت سيئات المؤمن، وإنها تحبط بقدرها من سيئات الكافر كما تحبط سيئات المسلم بقدرها من حسناته، فماذا تهيأ لهم أن يقولوا إذا لم يبق للكافر سيئات وخلص الأمر إلى كفره.
فإن قالوا: لا تحبط حسناته من أصل كفره شيئاً، فماذا ثواب حسناته وقد حرم الله عليه الجنة، وإن قالوا تحبط، لزمهم أن يقولوا إن حسناته إذا ترادفت لم ترك يحبط من أصل كفره الشيء بعد الشيء حتى يحيط جميعه.