فالجواب: أن ذلك على وجهين: أحدهما أن الكافر يحضر له ميزان فيوضع كفره، أو كفره وسائر سيئاته في إحدى كفتيه، ثم يقال له: هل لك من طاعة تضعها في الكفة الأخرى، فلا يجدها فيشال الميزان فترفع الكفة الفارغة، وتبقى الكفة المشغولة، فذلك خفة ميزانه، وهذا ظاهر الآية، لأن الله جل ثناؤه إنما وصف بالخفة الميزان لا الموزون، وإذا كان فارغاً فهو خفيف.
والوجه الآخر: إن الكافر قد تكون منه صلة الأرحام ومواساة الناس ورحم الضعيف وإعانة الملهوف والترفع عن المظلوم وعتق المملوك ونحوها، مما لو كانت من المسلم لكانت قرباً وطاعات، وهي تقع حسنات في أنفسها، وإن كانت لا تسلم له عبادة وطاعة، كما أن من المباح من الطعام والشراب واللباس.
إذا تعاطاه وقع ذلك منه مباحاً، فهذه الخيرات من الكفار فإنها تجمع وتوضع في ميزانه، غير أن الكفر إذا قابلها رجح بها، ولم يخل من أن يكون الجانب الذي فيه هذه الخيرات من ميزانه خفيفاً ولو لم يكن له إلا خير واحد وحسنة واحدة لا حضرت ووزنت كما ذكرناها.
ومن قال بالوجه الأول، قال: لو احتسب جزاؤه حتى يوزن لجوزي بها جزاء مثلها، وليس له منها جزاء، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - سئل عن عبد الله بن جدعان وقيل له أنه كان يقري الضيف ويصل الرحم ويعين في الثواب، فهل ينفعه ذلك؟ فقال: «لا، إن عبد الله ابن جدعان لم يؤمن يوماً قط رب أغفر لي خطيئتي يوم الدين» ، أي لم يكن يؤمن بالله والبعث والحساب، فيدعوه ذلك إلى الاستغفار وسأله عدى بن حاتم عن أبيه مثل ذلك، فقال: «إن أباك طلب أمراً فأدركه» ويعني الذكر.
فدل ذلك من أن خيرات الكافر ليست بخيرات له، وإن وجودها وعدمها سواء.
ومن قال بالوجه الآخر قال: قد قال الله جل ثناؤه: {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} وليس في الآية فصل بين نفسين، فبخيرات الكافر تحضر وتوزن ويجزى بها، إلا أن الله تعالى حرم عليه الجنة فيجزي بها أن يخفف عذاب الكفر عنه.
وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «إن أبا طالب في صحصاح من نار وعليه نعلان من النار تغلي منه دماغه، ولولا مكانته لكان في الدرك الأسفل من النار» ، فقد بان إحسان أبي طالب إلى النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه ينفعه من حيث يخفف عذابه فكان كل ذي حساب وخيرات من الكفار في هذا مثله.