ومن قال بالوجه الآخر بقي أن يقول: إنما وصف الله تعالى ميزان الكافر بالخفة، وذلك يقتضي أن يكون له وراء كفره، معاصي توزن معه، لأنه وإن لو يوزن من أعماله إلا الكفر وحده، فليس ذلك بدافع الخفة عن ميزانه، فبطل الاستشهاد بهذه الآيات، على أن فروع كفره موزونة، فأما قوله عز وجل: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} ، فإنما هو في أن اليسير من الطاعة لا يضع لفاعله ليكون قد ظلم.
فأما السيئة إذا لم يؤت بها فليس في ذلك ظلم يلحق صاحبها، فدل أن ذلك يعزل عما أريد بالآية والله أعلم.
فإن قيل: فإن معاصي الكافر لا توزن مع الكفر، فهل يعاقب عليها؟
قيل: من قال بهذا القول فينبغي أن يقول: يعاقب الكافر المنهمك في السيئات على كفره عقوبة أغلظ مما يعاقب به الكافر المجرد للكفر عن تلك السيئات، لأن كفره هو الذي حمله على ما اقترفه وجناه، ولا يعاقب على سيئة عقوبة مفردة، هو الذي يليق بأن الكفار مخاطبون بالشرائع.
وأما القول الآخر: فإنه إنما يليق بأن يكونوا غير مخاطبين بالشرائع حتى يؤمنوا، وفي القرآن ما يدل على أنهم مخاطبون بها مسؤولون عنها، محاسبون مجزيون على الإخلال بها، لأن الله - عز وجل - يقول: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} فتوعدهم على منعهم الزكاة، وأخبر عن المجرمين أنه يقال لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} ، فيقولون {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الُخَآئِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} ، فبان بهذا أن المشركين مخاطبون بالإيمان بالبعث، وبإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وإنهم مسئولون عنها محاسبون بها، مجزيون على ما أخلوا منها والله أعلم.
(فصل)
فإن قال قائل: أما وزن أعمال المؤمنين فظاهر وجهه لأنه قد يكون للمؤمن حسنات وسيئات، فإذا قوبلت إحداهما بالأخرى وجدت حقيقة الوزن، والكافر لا يكون له حسنات فما الذي يقابل بكفره وسيئاته وأنى يتحقق في أعماله الوزن؟