وأنت خبير بأن إشكال خطاب المشركين بما لا يعترفون به باق على حاله وكذا إشكال خطاب غير اليهود بقوله: (وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) على ما أشرنا إليه ، وكذا تخصيصه قوله تعالى: (نورا وهدى للناس) باليهود فقط وكذا قوله إن اليهود قالوا في المدينة: (ما أنزل الله على بشر من شيء) كر على ما فر منه .
على أن قوله: إن الله لقن رسوله أن يقرا الآية عليهم ويخاطبهم بقوله: (تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا) مما لا دليل عليه فإن أراد بهذا التلقين وحيا جديدا بالخطاب كالوحي الأول بالغيبة كانت الآية نازلة مرتين مرة في ضمن السورة وهي إحدى آياته ومرة في المدينة غير داخلة في آيات السورة ولا جزء منها ، وإن أراد بالتلقين غير الوحي بنزول جبرئيل بها لم تكن الآية آية ولا القراءة قراءة وأن أريد به أن الله فهم رسوله نوعا من التفهيم أن لفظ (تجعلونه قراطيس) الخ ، النازل عليه في ضمن سورة الأنعام بمكة يسع الخطاب والغيبة جميعا وأن القراءتين جميعا صحيحتان مقصودتان كما ربما يقوله
من ينهى القراءات المختلفة إلى قراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو القراءة عليه ونحوهما ففيه الالتزام بورود جميع الأشكال السابقة كما هو ظاهر .
واعلم أن هذه الابحاث إنما تتأتى على تقدير كون الآية نازلة بمكة ، وأما على ما وقع في بعض الروايات من أن الآية نزلت بالمدينة فلا محل لأكثرها .
قوله تعالى: (وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) المراد بهذا العلم الذي علموه ولم يكونوا يعلمونه هم ولا آباؤهم ليس هو العلم العادى بالنافع والضار في الحياة مما جهز الإنسان بالوسائل المؤدية إليه من حس وخيال وعقل فإن الكلام واقع في سياق الاحتجاج مربوط به ولا رابطة بين حصول العلوم العادية للإنسان من الطرق المودعة فيه وبين المدعى وهو أن من لوازم الألوهية أن تهدى الإنسان إلى سعادته وتنزل على بعض أفراده الوحي والكتاب .