وقوله تعالى: (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ، ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزيز) (الحج: 74) أي وقوته وعزته وضعف غيره وذلته تقتضيان أن لا يحط قدره ولا يسوى هو وما يدعون من دونه بتسمية الجميع آلهة وأربابا فالإنسب بالآية هو المعنى الأول وإن لم يمتنع المعنيان الآخران ، وأما تفسير (ما قدروا الله حق قدره) بأن المراد: ما أعطوه من القدرة ما هو حقها كما فسره بعضهم فأبعد المعاني المحتملة من مساق الآية .
ولما قيد قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره) بالظرف الذي في قوله: (إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء) أفاد ذلك أن اجتراءهم على الله سبحانه وعدم تقديرهم حق قدره إنما هو من حيث إنهم نفوا إنزال الوحي والكتاب منه تعالى على بشر فدل ذلك على أن من لوازم الألوهية وخصائص الربوبية أن ينزل الوحي والكتاب لغرض هداية الناس إلى مستقيم الصراط والفوز بسعادة الدنيا والآخرة فهي الدعوى .
وقد أشارتعالى إلى إثبات هذه الدعوى والحجاج له بقوله: (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى) الخ ، وبقوله: (وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) والأول من القولين احتجاج بكتاب من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء عليهم السلام الثابتة نبوتهم بالمعجزات الباهرة التي أتوا بها ففيه تمسك بوجود الهداية الإلهية المتصلة المحفوظة بين الناس بالأنبياء عليهم السلام نوح ومن بعده ، وهي التي وصفها الله تعالى في الآيات السابقة من قوله: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر - إلى قوله - إن هو إلا ذكرى للعالمين) .