ثم قال له في آخره: تعال حتى تعبد الذي خلقني وخلقك وخلق نمرود.
فغضب أبوه ، فرجع عنه ، ثم دخلت عليه رأفة الوالد لولده ، فرجع إليه.
وقال له: ادخل المِصْر لتكون معنا ، فدخل فرأى القوم يعبدون الأصنام.
فدعوه إلى عبادة الأصنام ف {قَالَ} لهم حينئذٍ: {قَالَ يا قوم إِنّى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ} فقيل له من تَعْبُد أنت يا إبراهيم؟ فقال أعبد الله الذي خلقني وخلق السماوات والأرض.
فذلك قوله: {إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ} يعني: أخلصت ديني وعملي {لِلَّذِى فَطَر السماوات} يعني: خلق السماوات {والأرض حَنِيفاً} يقول: إني وجهت وجهي مخلصاً مستقيماً {وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين} على دينكم.
ويقال: إن قوله {هذا رَبّى} قال ذلك لقومه على جهة الاستهزاء بهم.
كما قال: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْألُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63] ويقال: أراد بهذا أن يستدرجهم فيظهر قبيح فعلهم ، وخطأ مذهبهم وجهلهم.
لأنهم كانوا يعبدون النجوم والشمس ، والقمر.
فلما رأى الكوكب قال لهم: {هذا رَبّى} .
وأظهر لهم أنه يعبد ما يعبدون.
فلما غاب الكوكب قال لهم: {لا أُحِبُّ الآفلين} فأخبرهم بأن الآفل لا يصلح أن يكون إلها.
ثم قال في الشمس والقمر هكذا.
كما روي عن عيسى عليه السلام أنه بعث رسولاً إلى ملك أرض.
فلما انتهى إليهم ، جعل يسجد ويصلي عند الصنم ويريهم أنه يعبد الصنم ، وهو يريد عبادة الله تعالى.
ثم إن الملك ظهر له عدو.
فقالوا لهذا الرسول: أشر علينا بشيء في هذا الأمر.
فقال: نتشفع إلى هذا الذي نعبده.
فجعلوا يسجدون له ويتشفعون إليه ، فلا يسمعون منه جواباً.
فقالوا: إنه لا ينفعنا شيئاً.
قال لهم: لم تعبدون من لا يدفع عنا ضراً؟ ارجعوا حتى نعبد من ينفعنا.
فقالوا لمن نعبد؟ قال: لرب السماء.
فجعل يدعو ويدعون حتى فرّج ، الله عنهم.
فآمن به بعضهم.