والخطاب في قوله: {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ} للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، والمراد غيره، أو هو للرسول - صلى الله عليه وسلم - بالذات، ولغيره بالتبع، كما هو الشأن في أحكام التشريع غير الخاصة به - صلى الله عليه وسلم - . ووقوع النسيان من الأنبياء بغير وسوسة من الشيطان لا خلاف في جوازه، قال تعالى لخاتم أنبيائه: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} وثبت وقوعه من موسى عليه السلام: {قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} ، ولكن الله عصمهم من نسيان شيء مما أمرهم بتبليغه.
وثبت في"الصحيحين"و"السنن"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سها في الصلاة، وقال:"إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت .. فذكِّروني". وإنساء الشيطان للإنسان بعض الأمور ليس من قبيل التصرف والسلطان حتى يدخل في مفهوم قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) } . ومن هذا تعلم أن نسيان الشيء الحسن الذي يسند إلى الشيطان؛ لكونه ضارًا ومفوتًا لبعض المنافع، أو لكونه حصل بوسوسته، ولو بشغل القلب ببعض المباحات، فلا يعد من سلطان الشيطان على الناس، واستحواذه عليهم بالإغواء والإضلال الذي نفاه الله تعالى عن عباده المخلصين بقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) } .
وقرأ ابن عامر: {ينسينك} مشددًا عدّاه بالتضعيف، وعدّاه غيره بالهمزة.