هذا كلام مستأنف، لبيان قدرة الله على إِيقاعهم في المهالك - بعد بيان أَنه المنجي لهم منها. وفيه وعيد ضمني بعذابهم إن بَقُوا على شركهم على طريقة قوله تعالى: {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا. أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} .
والمراد بالعذاب الذي يبعثه الله من فوقهم: ما كان من جهة العلو وإِن لم يكن من فوقهم فعلا. كالصيحة والريح والحجارة.
والمراد بالعذاب الذي يأَتى من تحت أَرجلهم: ما كان من جهة السّفلى، كالرجفة والخَسْف، والإِغراق.
واللبس: الخلط. ومنه قول الحماسى:
وكتيبةٍ لَبَّسْتُها بكتيبة ... حتى إِذا التبست نَفَضتُ لها يدي
والشيَع: جمع شيعة. وهم؛ مَن يجتمعون على أَمر يتشيعون له ويؤيدونه. حقًّا كان أَو باطلا.
والمعنى: قل أَيها الرسول لمشركى قومك: الله هو القادر على أَن يبعث عليكم عذابا من أعلاكم، كالذي حدث لقوم لوط، وأَصحاب الفيل. أو عذابا من أسفل منكم، كالذي حدث لفرعون وقارون. أو أَن يخلطكم فرقًا مختلفة الأهواء: تشايع كل
فرقة رأْيا وتناصره. فينشَب القتال بينكم ويذيق بعضَكم شدةَ بعض. فكيف تشركون بمن هذه قدرته؟.
انظر كيف نصرف الآيات، وننوع البراهين والحجج، على استحقاقنا التفرد بالأُلوهية، ليفهموا الحق فيرجعوا عما هم فيه من الشرك.
والمراد من البَعْضَيْن في قوله تعالى: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} الكفار يذيق بعضُهم بعضًا، العذابَ، بسبب اختلافهم على أَنفسهم.
وعن مجاهد: أَن الآية عامة في المسلمين والكفار.
وقد حمى الله الأُمة المحمدية من العذاب من فوقهم أَو من تحت أَرجلهم - بطريقة الاستئصال - كما كان في الأُمم السابقة. وذلك بدعائه - صلى الله عليه وسلم -. ولكنه - تعالى - ابتلاها باختلافها شيعا. وإِذاقة بعضهم بأْس بعض.